الخميس، 16 أغسطس 2007

أديان ومذاهب جديدة جذورها في الإسلام (6)‏

من منكم يتذكر الضجة التي سببها مقتل الدكتور رشاد خليفة في تاكسون بالولايات المتحدة عام 1990 ، تلبية على ما يبدو لفتوة أصدرها شيوخ السعودية يوم 19 فبراير 1989 قالوا فيها بارتداد سلمان رشدي (صاحب الآيات الشيطانية) والمصري رشاد خليفة، عالم الكيمياء الحيوية المحترم، صاحب الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، وابن صاحب أحد الطرق الصوفية بكفر الزيات.

ولد رشاد في أسرة متدينة بكفر الزيات في 19 نوفمبر 1935 وكان والده شيخا للطريقة الشاذلية. أتم دراسته الجامعية بمصر متخرجا بامتياز من كلية الزراعة بجامعة عين شمس، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1959 حيث نال ماجستير في الكيمياء الحيوية من جامعة أريزونا ودكتوراه من جامعة كاليفورنيا. عمل مستشارا لمدة عام للحكومة الليبية، ثم كيميائيا بمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية إلى أن انتهى به الأمر مديرا لقسم الكيمياء بحكومة ولاية أريزونا عام 1980.

عرف أنه أثناء حياته في الولايات المتحدة التدين فقد كان نشطا جدا وسط الجالية المسلمة في كل الأماكن التي عاش بها. بل أنه كان يميل في فهمه للإسلام إلى المنظور الصوفي الذي تعلمه على أبدي أبيه الشاذلي. ولكن في عام 1968 بدأ رشاد في استخدام الحاسوب لتحليل تردد الأحرف في القرآن ونتج عن دراسته هذه أنه أعلن عام 1974 بأنه اكتشف نمطا عدديا معقدا يحتوي على الرقم 19 كما هو مذكور في الآية 35 من سورة المدثر {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ}. ولم ينل بحثه إهتمام العالم الغربي حتى عام 1980 عندما ذكرتها مجلة ساينتيفيك أمريكان ثم دورية أخري عام 1983. أمل في الشرق الأوسط فقد كتبت عنها الجرائد والمجلات العربية بكثرة منذ عام 1973 وكذلك صحافة الدول المسلمة الباقية.

ألا أن هذا الإعجاب لم يتساو في كل البلدان المسلمة إذ أن العديد من العلماء المسلمين اعتبروا أبحاثه بدعة في علم الأرقام وشبهوها إلى ما يقوم به مفسرو التوراة من اليهود. وكان أشد هؤلاء العلماء المسلمين عداوة لرشاد الهنود المسلمين في جنوب أفريقيا ووهابيو السعودية. فعندما قام الناشر اللبناني ”دار العلم للملايين“ بنشر كتاب رشاد المعنون ”معجزة القرآن“ في مارس 1983، قامت السعودية بشراء كل النسخ وحرقها.

ولكن الدكتور رشاد، بعد البحوث الحاسوبية التي لا لائمة عليها، قرر عام 1976 أن يعلن على العالم بأن بحوثه هذه إنما دلته على أن الحديث والسنة محرفان من عمل الشيطان الذي ألصقهما بالنبي محمد ولا يمكن إعطائهما نفس مكانة القرآن. بل أنه، بعد التمعن في كل ترجمات القرآن إلى الإنجليزية، قرر أن يترجمه بنفسه وذلك لأنه وجد أن كل ترجمة منها تنتقص من تعاليم القرآن بسبب عدم معرفة مترجميها للغة العربية التي كان هو يتحدث بها. وقامة القيامة. بدأ الدكتور الذي كان منذ عدة سنوات مجرد هاويا يلعب بالحاسوب ويحسب الحروف، يتحول في نظر معظم العلماء المسلمين إلى خطر داهم على تعاليم القرآن. ويقال أن أحد الملوك العرب عرض عليه مبلغا ضخما كي يسحب آراءه ولكنه رفض. بل ما زاد الطين بلة هو أن رشاد أصدر ترجمته تحت عنوان ”النسخة الإنجليزية المخولة“ ضاربا بعرض الحائط أي سلطة بشرية أخرى تخول النسخ المترجمة أو تمنع تداولها، قائلا بأن الله قد خوله لأن ينشر ما ترجمه.

ثم زاد الدكتور على تفاسيره قائلا بأنه لا يجوز ذكر اسم أي بشر أثناء الشهادة أو الصلاة وبأن محمد كان أخر الأنبياء ولكنه ليس آخر الرسل—وبأن الرسول الجديد ليس هو إلا الدكتور المحترم صاحب اكتشاف معجزة القرآن، ما أدى بعلماء السعودية إلى إصدار الفتوة القاضية بقتله على أنه مرتد أسوة بالكاتب البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي. ومع أن العالم أجمع كان يعرف من هو سلمان رشدي، ألا أن حفنة منهم كانت على دراية بكتابات رشاد.

كل فتوة تتطلب من ينفذها وتاريخنا لا يشح علينا بالمعتوهين الراغبين في سل الخناجر وسفك دماء كل من يبدي رأيا منافيا لرأي الجماعة. ففي 31 يناير 1990 قام مجهول بطعن الدكتور رشاد 29 مرة وهو يصلي بمسجد تكسون بأريزونا وهو المسجد الذي أسسه دارا لجماعته—التي أسماها بالإنجليزية Submitters— والتي يؤمن أفرادها حتى يومنا هذا بأن دكتور رشاد كان مرسلا من عند الله. وبعد أن سقط ميتا قام قاتله بسكب مادة قابلة للاشتعال عليه ولكنه لم يشعل فيه النار. ولم يتم اكتشاف من قام بقتله، ألا أن المحكمة حكمت على شخص يدعى وليام جيمس من جماعة الفقراء الإرهابية بالتآمر على قتله وعلى اللبناني واضح الحاج بالكذب أثناء التحقيق. وقد قال واضح—وهو مسجون لدوره في نسف السفارات الأمريكية عام 1998 بأن قتل دكتور رشاد ”أمر حسن.“
في الغرب ماتت الضجة ولا تسمع عن رشاد إلا في وسط المهتمين بأخبار الأديان الجديدة. وما بقى منه هي كتاباته (وكلها بالإنجليزية) عن المعجزة الرياضية للقرآن وعن التحريف الذي نال في رأيه كل من الحديث والسنة، وترجمته المجتهدة للقرآن التي يمكن تنزيلها من على الإنترنت بعد القليل من المجهود في البحث.

أما في عالمنا الناطق بالفصحى وغيرها فسيرته لا زالت على الألسنة ذما ولعنا. فباب الإجتهاد والتفسير أغلق منذ قرون وعلمتنا الحكمة أن نسد كل ما يمكن أن تهب منه الرياح والنسيم. والموت لكل من يتجرأ على البحث عن ذاك المفتاح الصدئ. وإن فعل فنحن ى ندعه مستشفيات الأمراض العقلية كما يفعلون مع ”المجتهدين“ في روسيا بل نرسل لهم من يقتلهم. فإذا عتت العقول وفاتنا التحضر - من لنا أن نلوم؟

وهل يجوز السؤال؟


ليست هناك تعليقات: