الجمعة، 10 أغسطس 2007

أديان ومذاهب جديدة جذورها في الإسلام‏ - الحلقة 5

بدأ العديد من الديانات في العالم بصدمة جسدية أو روحية ما لمؤسسيها – فمن يري منهم ملاكا يعطيه كتابا من ذهب، أو يخنقه ويرسله بعدها ليبشر قبيلته بما قيل له، أو ينزل عليه صوتا ونورا وهو متعبد، أو يأتيه في منام أو مرض برسالة تفتح عينيه على الحق، أو يصارعه حتى يعترف به. ورسل القرن العشرين لا يختلفون في ذلك عن رسل العهود القديمة أو المظلمة أو المضيئة. ووسنتناول في هذا العدد إثنين من هؤلاء "الرسل" – كلاهما من النوع العاقل الباحث، ثم نتطرق في العدد القادم إلى أحد أخر مدعي النبوة في الإسلام.

أولهما هو محمد سوكارنو سوموهادي ويجوجو (1901 – 1987) الاندونيسي المسلم والمعروف أيضا باسم "باك صبح" الذي أتاه "الوحي" على شكل ما يشبه نوبة صرع عام 1924، واعتبرها أولى خبراته الروحية. وتتالت هذه النوبات لأربعة أعوام. ولما بلغ الثانية والثلاثين إدعى بأن روحه حلقت خارج جسده وعبر أثناءها حاجز الزمان والمكان ليتقابل مع النبي موسي والمسيح والنبي محمد. ولكنه لم يتفوه بأي من هذه الخبرات علنا لعدة سنوات ثم بدأ في عام 1932 بإلقاء دروس في التمارين الروحية، واستقال من وظيفته الحكومية في العام التالي ليقوم بالدعوة إلى مدرسته، طالبا من تابعيه أن يدعونه باباك (أبي). وفي عام 1954 قابله سوري مسلم متعلم في بريطانيا، وهو حسين رافع، لدي وصول الأخير إلى اندونيسيا بحثا "عن حكمة الشرق" (يبدو أن سوريا كانت تفتقر إليها، بالرغم من كونها في الشرق) و"فتح صبح عينيه على الحق" فكتب مقالا عنه إلى مجلة تايمز ثم سافر إلى قبرص وتركيا لنشر تعاليمه، وعاد ليأخذ صبح معه إلى بريطانيا حيث عرفة على أحد تابعي جوردييف الذي افتتن بتعاليم صبح وكتب عنه كتابا.

لم يدعي صبح يوما بأنه نبي أو حتى معلم، فقد كان دائم القول بأن الله هو الوحيد الذي يعلم البشرـ بل رأى نفسه دليلا روحيا لمن اتبعه. وقد سجل مجموعته الاندونيسية الأولي عام 1947 تحت اسم "صبد" (وهي تعني الكمال أو الشيء القيم بالجفانية) وبنى تعاليمه على ثلاثة أركان هي "الحياة الصحيحة وطهارة الأخلاق"، "الذات الإلهية الكامنة في الإنسان" و"التسليم الكامل لله". وبالرغم من أن البعض يعتبرونه مذهبا إسلاميا ألا أن تابعي صبح لا يعتبرون المدرسة دينية أصلا، ناهيك عن كونها مذهبا مسلما، وله من أتباعه العديد من المسيحيين الذين لم يغيروا دينهم. وتشتمل ممارستهم على الوقوف بهدوء لساعات في إنتظار وحي من الله، بل أن أتباعه يرون أن حياتهم بالكامل يفترض أن تكون إنتظارا لما ينزله الله عليهم – وهم لا يؤمنون بالسحر وما فوق الطبيعة إلخ. بل بالنمو في الروح. للجماعة حاليا حوالي 12 ألف عضو ومجلس عالمي.

أما المتعقل الثاني ذو الرسالة (أو قل ذو تفسير شخصي للإسلام) هو السيريلانكي باوا (وهي أيضا تعني الأب) محي الدين، الذي لا نعرف عن بدايات "وحيه" إلا القليل النادر، لأن "الأب" الوقور لا يحكي عن شبابه شيئا سوي الروايات حول مقابلاته الشخصية مع الذات الإلهية وهي مقابلات كانت تتسم بطابع كوني. فقد بدأ ناسكا متجولا عازفا عن الزواج يتبع التعاليم الإسلامية حينا والهندوسية حينا آخر ويدمج بينها، وهو أمر شائع في شبه القارة الهندية، حتى اكتشفه عدد صغير من الهندوس الذين أتوا إلى سري لانكا للحج عام 1940. ويقال أن الهندوس رأوه خارجا من دغل فقرروا أن هذا هو المعلم الذي يستحق الإتباع وطلبوا منه أن يرشدهم فوافق وبدأ في نشر تعاليمه، بعد أن استقر في مدينة جافنا وأسس بها جامعا أسماه بيت الله، جاذبا إليه عددا لا بأس به من المسلمين الهنود.

وتعاليم باوا محي الدين تركز على أحادية الله وعلى المفهوم الصوفي الإسلامي لوحدة الله في كل خليقته كما هي موضحة في القرآن والسنة. وصار باوا يجذب إليه مسلمين ملتزمين من المدارس الصوفية الأخرى أوذوي ميول إلى التصوف، وتحولت تعاليمه ببطء لتتخذ سمة التفسير للكتب الإلهية بدلا من التركيز على الممارسات الشعبية الشائعة وسط سكان أرياف الهند. وفي نفس الوقت بدأ باوا محي الدين أن يسمي نفسه بقطب الزمان (وهو أعلى رتبة يمكن أن يصل إليها أي شيخ في المدارس الصوفية) مدعيا بأنه خليفة الشيخ عبد القادر الجيلاني (المتوفي عام 1176م) والمؤسس للطريقة القادرية الصوفية. وتتفق كل الطرق الصوفية في العالم تقريبا على أن الجيلاني هو قطب الأقطاب. كما يجب الملاحظة بأن إدعاء باوا محي الدين خلافته للشيخ الجيلاني لم تؤسس على العلاقة التقليدية بين الشيخ ومريده الذي يخلفه وهي الطريقة التي يتم بها تحديد الخلافة في كل الطرق الصوفية.

وفي عام 1971 وافق باوا محي الدين على الحضور إلى الولايات المتحدة بعد أن دعاه أحد المراسلين إليها، وصار يعلم عددا من الباحثين عن "حكمة الروح" أو "حكمة الشرق" إلخ. من حكم في فيلادلفيا، معظمهم من الشباب الذين كانوا في ستينات القرن العشرين من أنصار الثقافة المضادة (أي الهيبييز). ولم يفقه إلا عدد قليل للغاية إلى أن تعاليمه إنما هي تعاليم المتصوفين المسلمين وبقى باوا يعلمهم لخمس سنوات قبل أن يكشف لهم "أن هذا هو الإسلام الحق". ومنذ عام 1976 أدخل طرقا أكثر وضوحا للتعبير عن التعاليم الإسلامية – منها الذكر وبعض الممارسات التعبدية الإسلامية الأخرى التي يمارسها المتصوفون، بالإضافة إلى إقامته مسجدا في المنطقة.

وفي الوقت الحالي تتكون جماعته من حوالي ألف شخص ولها علاقات بالجاليات المسلمة المهاجرة في الولايات المتحدة، توفر لها مصادر تعليمية حول الإسلام وتقدم المسكن للممثلين الزائرين من الدول المسلمة. والمصدر الأساسي للإرشاد لا تزال هي تعاليم باوا محي الدين وسلوكه. والجماعة تلعب دورا هاما في دراسة الصوفية في الولايات المتحدة وهي خير مثال على مرور الحركات الإسلامية بعدة مراحل: من تعليم المهتدين إلى الإسلام الأمريكان إلى خدمة الجالية المسلمة المهاجرة من العالم الإسلامي – أي الدنو أكثر نحو الإسلام الصحيح.

كل هذه الكتب المقدسة التي يمكننا أن نقضي حياتنا في دراستها ونقضي مضاجعنا في محاولة فهمها، ولا زال العالم ينتظر الجديد – دائما الجديد الذي يفسر لنا القديم بطريقة جديدة، ويا حبذا إن بم يقل لنا أن الأمر عتيق عتق التاريخ. فهل يا تري البشرية مريضة بجنون التجديد – لا في الاتجاهات الفكرية والملابس والتقليعات، بل وفي الدين أيضا؟

وهل يجوز السؤال؟

ليست هناك تعليقات: