السبت، 17 نوفمبر 2007

ديان ومذاهب جديدة جذورها في الإسلام - الحلقة (8)‏

"استمعوا! فقد جئت إليكم يا معشر المسلمين بتوجيه ليس منى بل من الله: فجهاد السيف قد إنتهي منذ الآن ولكن جهاد تطهير النفس باقي."

ولد ميرزا غلام أحمد عام 1835 بقرية قاديان بالبنجاب الهندية، ويقال أنه من الأشراف – أي من سلالة الرسول – لكون أحد أجداده بأمه برجع نسبه إلى فاطمة ابنة الرسول. أما بوالده فهو سليل أسرة من العلماء الإيرانيين هاجرت إلى سمرقند في القرن السادس عشر. وكان ميرزا غلام أحد توأمين توفى أخاه في طفولته، ولكونه من أسرة ميسورة الحال فقد اعتنى والده بتعاليمه لا علوم القرآن فحسب، بل واللغتين العربية والفارسية إضافة إلى بعض علوم الطب التي تلقاها من والده الطبيب. وعندما بلغ السادسة عشر بدأ في دراسة المسيحية بسبب قيام أحد المبشرين البريطانيين بطرح حجج تشكك في الإسلام على مسامعه، فقام بجمع ما يزيد عن ألف مقالة تنقض الإسلام ثم وضع ردوده عليها في كتاب أسماه البراهين الأحمدية. وقد نال بسبب كتاباته هذه احترام وإعجاب العلماء المسلمين الآخرين. وفي عام 1852 تزوج من قريبته حرمة بيبي وأنجب منها ولدان. وعمل كاتبا بمدينة سيالكوت في الفترة ما بين 1864 و1868 حيث تعرف على عدد من المبشرين المسيحيين ممن جادلهم في الدين. وعاد إلى قاديان تنفيذا لرغبة والده عام 1868 ليرعى مصالحه ألا أن جداله مع المبشرين لم يتوقف، بل أتخذ طابع المناقشات العلنية دفاعا عن تعاليم الإسلام.

وبعد عام من عودته إلى قاديان ذهب ميرزا غلام أحمد لزيارة الشيخ محمد حسين وكان حينها شيخا لجماعة أهل الحديث التي مقرها مدينة باتالا، وكان الشيخ محمد يعرف ميرزا غلام أحمد منذ طفولته. وأثناء هذه الزيارة طلب منهما الدخول في جدال ديني علني، ولم يقبل ميرزا غلام أحمد بذلك إلا على مضض فلم يكن هو ممن يستمتع بالجدال لمجرد الكلام. فبدر بسؤال الشيخ محمد عن موقفه من موضوع ديني محدد، وبعد أن أجابه الشيخ بما يرضي الله قام ميرزا غلام أحمد قائلا "أجبت إجابة ترضي الله ولا أجد بها ما يدعو للنقاش" وخرج من الجامع، مما أصاب أتباعه بالغضب. ألا أن ميرزا غلام أحمد عاد يعد قليل ليقول بأن الله أخبره عن رضاه بما فعل مضيفا "سوف يغمرك الله بالبركات ويسعى الملوك إلى نيل البركة من أطراف ثيابك."

ومن هنا بدأت إدعاءات ميرزا غلام أحمد بأن الله يزوره في الأحلام، وخاصة بعد صوم 6 أشهر عام 1875 إدعى أن الأنبياء والصديقين كانوا يزورونه أثناءه، بما فيهم محمد، على شكل عواميد نور مختلفة الألوان. وفي عام 1884 تزوج مرة أخرى من امرأة تدعى نصرة جيهان بيغوم أنجب منها عشرة أطفال توفي نصفهم في طفولتهم بينما عاش ثلاثة أبناء وبنتان حتى بلغوا الشيخوخة. وعندما بلغ ميرزا غلام أحمد الأربعين من عمره توفى والده، فبدأ يدعى بأن الله يخابره بشكل متزايد وينزل عليه الوحي. وركزت كتاباته في نلك الفترة على دحض ما اعتبره كتابات منافية للإسلام تصدر عن المبشرين المسيحيين والهندوس، مما وجد قبولا عند بقية العلماء المسلمين، من ضمنهم أشخاص صاروا فيما بعد من أشد المنتقدين له مثل مولانا محمد حسين ومولانا عبد الكلام أزد.

وجاء عام 1886 ليقرر ميرزا غلام أحمد البحث عن الإرشاد الإلهي بأن يغادر إلى هورشيابور مع قلة من أتباعه، ويغلق على نفسه باب غرفته لمدة أربعين يوما من الصلاة والتأمل لم يتبادل أثناءه كلمة واحدة معهم، بل وصل به التنسك لدرجة أنه كان يصلي الجمعة وحيدا في مسجد قديم مهجور. وبعد انتهاء الفترة خرج على العالم بالأخبار السارة التي من الله بها، كما ادعى، عليه بصفته الابن البار له. فقد خرج ميرزا غلام أحمد على العالم بدين جديد هو القاديانية، ويعرف أتباعه في عصرنا هذا بالأحمديين.

فأول هذه الادعاءات تقول بأنه المسيح المنتظر والمهدي والمنتظر في آن واحد، وأن مجيئه يكمل النبوات القائلة بمجيء مصلح ديني في الأيام الأخيرة. وقد فجر هذا الإدعاء خلافا ضخما مع المسلمين والمسيحيين بالرغم من أن ميرزا غلام أحمد لم يقل أبدا بأنه هو نفس المسيح الذي سبقه بتسعة عشر قرنا، بل أنه يشبهه فقط في الروح. ثم سطر كتابا اسمه تذكرة الشهادتين قال فيه بأنه موصوف في الحديث والمصحف، بصفته المسيح القادم. وبعد أن اتهم بأنه أتي بدين جديد نفى ذلك بشدة متمسكا بأن ما يقوله هو من صلب الإسلام وبأن عمله هو مجرد إحياء للدين ونهضة له، وبأنه نبي في الإسلام يحل محل محمد كما حل المسيح مكان موسى.

ومع مرور الوقت بدأت ملامح دعوته إلى التجديد تتضح أكثر فأكثر، وجمعها في أحد أكثر كتبه اشتهارا و إطراء إلا وهو البراهين الأحمدية، التي قال في أحد مجلداته الأخيرة بأنه هو المسيح المنتظر في الإسلام، وهو أمر صعب على المسلمين القبول به إذ يؤمنون بأن السيد المسيح نفسه هو الذي سيعود شخصيا عند اقتراب يوم الدين ليعظ بالإسلام دينا. أما تعاليم ميرزا غلام أحمد فتقول بأن المسيح نجا من الصلب ومات شيخا في منطقة الكشمير التي هاجر إليها، وأن المهدي الموعود ما هو إلا مخلوق روحي وليس قائد عسكري، مما دعا بميرزا غلام أحمد إلى رفض الجهاد رفضا باتا في عصر يسمح بالدفاع عن الإسلام قولا وكتابة لا سيفا. وأدت هذه الكتابات إلى إنقلاب علماء المسلمين ضده، واتهامه بأنه يعمل ضد الإنجليز ويهرطق لأنه أعلن كونه المهدي في نفس الوقت الذي أعلن فيه ذلك محمد أحمد بن السيد عبدالله في السودان. أما الآن، فأعداء الأحمدية يصرفون كما هائلا من الحبر في محاولة إثبات أن الرجل كان يعمل لصالح إسرائيل (التي لم يكن لها حينها وجود). كما أن نقاده ادعوا بأنه لا يجيد العربية بالرغم من أنه كتب ما يزيد عن 20 كتابا بها إضافة إلى قصائد عدة. وعندما تحدوا نفاده بأن يأتوا بمثلها لم يقبل أحدهم التحدي.

تعرض ميرزا غلام أحمد في حياته للعديد من المضايقات من المسلمين والمبشرين المسيحيين في الهند على حد سواء، بل أن أحد هؤلاء المبشرين رشا متشردا ليقول بأن ميرزا غلام أحمد أرسله إليه ليقتله بعد مجادلة علنية بينه وبين المبشر حول الإسلام. ولكن المحكمة برأته لأن المتشرد بات يضيف تفاصيلا جديدة كلما استجوبه القاضي، فلم يقنع المحكمة بصدق كلامه وسرعان ما انكشف الأمر.

وفي أواخر عام 1907 وأوائل 1908 قال ميرزا غلام أحمد أن الله كشف له بأن موته قد اقترب، فسافر مع أسرته إلى لاهور حيث كثف من الوعظ والتعاليم وعمل على بث روح المصالحة بين الهندوس والمسلمين. في 26 مايو 1908 أصابه المرض وتوفي – يقال بأن ما أصابه هي الكوليرا ولو أن أتباعه ينفون ذلك.
فماذا عن أتباعه؟ تأسست جماعته عام 1889 ولكن لم يطلق عليها اسم الأحمدية إلا بعد حوالي عشرة سنوات وقد كتب مؤسسها عام 1900 بأن التسمية تعود إلى اسم أحمد وهو أحد أسماء نبي الإسلام ويدل – حسب تعاليم ميرزا غلام أحمد – على جمال وقوة مواعظ النبي التي صارت لها أهمية أكبر في عصره عن سيرة حياة النبي نفسها والتي يدل عليها اسم محمد.

كان من أول من قبلوا بتعاليم ميرزا غلام أحمد المثقفين من رجال الدين والدنيا، منهم العديد من كبار موظفي الحكومة وضباط الجيش. وقد إنقسم أتباعه بعد وفاته إلى فريقين حول تفسيرهم لمعنى استعمال ميرزا غلام أحمد لكلمتي "النبي" و"الرسول" كناية عن نفسه – فجماعة الأحمدية المسلمين يعتقدون حرفيا بنبوة ميرزا غلام أحمد، أما جماعة لاهور الأحمدية فيعتقدون بأنه استخدم اللفظين مجازا. ومنذ عام 1920 انتشر المبشرون الأحمديون في كافة أنحاء العالم، بل كانوا في الكثير من الأحيان أول حلقة وصل بين الغرب والإسلام. ويقول بعض المؤرحين بأنه وحتى ظهور حركة أمة الإسلام في خمسينات القرن الماضي بالولايات الأمريكية المتحدة فإن الأحمدية كان لهم الأثر الأكبر على أسلمة الأمريكيين السود وعلى حركة الحقوق المدنية في أمريكا. حاليا هناك فروع لجماعة الأحمدية المسلمين في 182 دولة وفروع لجماعة لاهور الأحمدية في 17 دولة. وبينما تعتقد المجموعة الأولي بأن قائدها منتخب من عند الله ويسمونه خليفة المسيح، فإن المجموعة الثانية تنتخب لنفسها مجلسا وأميرا يقودها.

وترفض كل من باكستان والسعودية الاعتراف بأتباع ميرزا غلام أحمد كمسلمين، بل أن الدستور الباكستاني يمنعهم من نشر تعاليمهم الدينية تحت بند التجديف وسب الدين، وقد تعرض الأحمدية هناك إلى السجن والاضطهاد. أما في بنغلاديش فقد طالب المتشددون عام 2002 بإعتبار الأحمدية كفارا، وحرقوا جامعا لهم، بينما تعرض العديد من أفرادها إلى القتل عام 2003 وقامت الحكومة بمنع كل منشوراتهم عام 2004.

"أعزلوا أنفسكم عن اضطرابات العالم ولا تضفوا صيغة الدين على نزاعاتكم الشخصية. أقبلوا الهزيمة في سبيل الله لترثوا نصرا عظيما. فالله يظهر معجزاته لمن يتضرع إليه ويطلب نيل نعمة خاصة. الصلاة من عند الله تأتي وإلى الله تعود ومن خلال الصلاة يصبح قرب الله منك كقرب الروح التي تحييك."

"أنا مثل أم تحب أطفالها بل أكثر. لا أعادي سوي المعتقدات الخاطئة التي تهدم الحق. واجبي التعاطف مع كل البشر والوعظ ضد الباطل، وعدم الوفاء للخالق، والاستبداد والسلوك الخاطئ والظلم والفسوق هي رسالتي."

رجال يبحثون الكتب السماوية فيجدون فيها سلاما ومحبة وصلاة، وغيرهم يبحث ذات الكتب فيجد فيها وعيدا وحربا وتكفيرا. أحدهم يجاهد بفكره وأخر بقلبه وثالث بسيفه – والكتب هي الكتب، فأين الإختلاف؟

وهل يجوز السؤال؟

ليست هناك تعليقات: