السبت، 17 نوفمبر 2007

ديان ومذاهب جديدة جذورها في الإسلام - الحلقة (9)‏

كان اسمه محمد بن إسماعيل نشتاكين، وكان على ما يزعمون ترزيا (درازيا) من إيران. انقلب على إمامه حمزة بن على بن أحمد عام ‏‏1018 ميلادية ليصبح داعيا إلى ما لن تقبل به قلوب أتباعه فما لبثوا أن قتلوه في ظرف عام من هلوسته. ولكن قتله لم يزل اسمه عنهم ‏فصاروا يلقبون بذاك الذي حرم عليهم نطقه لكراهيتهم لهم – الدروز.‏

يطلقون على أنفسهم "الموحدون" – وقد ظهروا أول ما ظهروا في شمال أفريقيا أبان حكم الفاطميين عام 1017 حيث‏‎ ‎كشف رسمياً عن ‏مذهب التوحيد في زمن الحاكم بأمر الله ،الخليفة الفاطمي السادس حفيد‏‎ ‎المعز مؤسس الدولة الفاطمية في مصر. كانت الدولة الفاطمية إلى ‏واحدة من أقوى الكيانات السياسية‎ ‎الحضارية العربية وقد وصل حكامها إلى‎ ‎الحكم والى هذا المجد الحضاري عن طريق دعوة (مذهبية) ‏ناشطة ومحكمة‎ ‎التنظيم ،وقد استمروا على صلة وثيقة بها بعد توليهم الخلافة بل‎ ‎وأمدوها بكل سبل الدعم انطلاقاً من مركزهم القوي على ‏رأس الدولة‎ ‎ووسط تكتم وحذر شديدين. فقد كان الفاطميون يرجعون نسبهم الى الإمام علي بن أبي‎ ‎طالب وزوجته فاطمة بنت الرسول ذلك ‏من أجل القول مثلهم مثل غيرهم من‎ ‎الفرق الشيعية أنهم الأحق بالخلافة. وقد كانوا من أشد المهتمين بالجانب‎ ‎الفكري للإنسان، وعكسوا ‏عبر دعائهم مزايا خلقية طيبة جديرة‎ ‎بالاحترام حيث وصفهم المؤرخون بالحكماء، العقلاء، ذوو الفهم‎ ‎الجيد، واللسان الفصيح، والكلام ‏العذب، أتقياء روحياً، طاهرين‎ ‎جسدياً. وقد كان الفلاسفة والعلماء ورجال الفكر من بين دعاتهم‎ ‎البارزين. ‏

لقد سعى المذهب الفاطمي إلى تدعيم العقيدة الدينية بالفكر‎ ‎الفلسفي بهدف تحصين التوافق بين الفلسفة والوحي، ولقي هذا المذهب‎ ‎بما ‏تضمنه من تأملات فلسفية ودعوات إلى "التفكر" وبما شجع من حرية‎ ‎في البحث قبولاً لدى النفوس المتسائلة، الحائرة، وكذلك بين ‏الفقراء و المضطهدين سياسيا و اجتماعيا في عصر‎ ‎الدولة العباسية. وكان الخلفاء الفاطميون أنفسهم علماء وكان‎ ‎العلم لديهم من ‏متطلبات الخلافة والمقام فهم أئمة الدعوة‎ ‎الإسماعيلية والقيمون عليها، وكان الخليفة يشرف بنفسه على التربية‎ ‎الروحية لخلفه يرشده إلى ‏القراءة في مذهب التأويل ويتابع تقدمه،‎ ‎وهناك كتب عدة في العقيدة الإسماعيلية تنسب إلى الخليفة الفاطمي‎ ‎الرابع المعز لدين الله الذي ‏سميت باسمه مدينة القاهرة. وقد عُرف الفاطميون بالتسامح‎ ‎الديني إذ نادراً ما تدخلوا ـ رغم قوة دولتهم

ـ في معتقدات‎ ‎رعاياها و شمل ‏تسامحهم مسلمين من غير مذهبهم وأهل الذمة. ‏
أطلق إسم "مذهب التوحيد" على أتباع دعوة‎ ‎الحاكم بأمر الله، ولحق بهم مصطلح الدروز بعد‎ ‎نحو نصف قرن. وأساس معتقدهم وحدانية ‏الخالق المطلقة ، وهم تأويليون لا يكتفون‎ ‎بظاهر النص الديني، يعتقدون بعودة (الحاكم) الإمام. ويؤكد‏‎ ‎السجل المعلق الذي يعتبر أهم ‏‏"رسائل الحكمة" في عقيدة الموحدين،‎ ‎أن مذهب التوحيد هو مذهب إسلامي صحيح إذ يقول "بوحدانية الخالق، وبرسالة الرسول محمد ‏إلى جميع العالم ، وبعصمة القرآن‎ ‎وتنزّله ، ويحث بوضوح على القيام باركان الإسلام. وقد ظهر هذا السجل في فبراير عام 1021 ميلادية ‏بعد غياب الحاكم بأمر الله،‎ ‎وفيه وصف مفصل لتعاليمه وجهوده المتواصلة للإصلاح والعقبات التي‎ ‎واجهها، وسبب وكيفية غيابه. ‏المذهب‎ ‎ارتكز أساسا على القرآن واقر إضافة إلى الأركان الأساسية‎ ‎للعقيدة الإسلامية، بأن التوراة والإنجيل كتب سماوية، لكنه في شكله ‏هو مذهب صوفي غنوصي يصفونه‎ ‎‏"بالمسلك الثالث". ويعني ذلك أن الموحد (1) بعد أن يكون قد ارتضى‎ ‎بالعمل بموجب ظاهر الشريعة ‏القرآنية وباطنها (2) يجب أن يصل بسعيه‎ ‎لفهم جوهر التوحيد إلى مرحلة من الإيمان بوحدانية الخالق يكون‎ ‎عندها (3) مهيأ لتقبل ‏الحقيقة الإلهية دون حاجة إلى شعائر ووسائط .‏

دعت عقيدة التوحيد أتباعها‏‎ ‎بكثافة للتغذي بالعلوم الروحية ولم تسقط مسألة ممارسة‎ ‎الشعائر الدينية من متطلباتها، بل أوصت‎ ‎صراحة ‏بالحفاظ على سنن الشريعة الإسلامية وتكاليفها، وقد كان هذا الحرص السبب الرئيسي للخلاف الذي حدث بين حمزة‎ ‎بن علي ونشتاكين ‏الدرازي بعد عام من إعلان الدعوة، وهو الخلاف‎ ‎الذي أغضب الحاكم بأمر الله من الدرازي.‏

في بداية عام 1017م دعا الحاكم بأمر الله الناس إلى‎ ‎كشف عقائدهم بلا خوف ولا تستر. ولما تجلى "النور الإلهي" في‎ ‎الحاكم انتقلت ‏الإمامة الى حمزة بن علي بن أحمد الزوزني الذي وصل‎ ‎إلى القاهرة عام 1016 قادماً من الشرق. وبعد عام من وصوله كان حمزة قد ‏ألف عدة رسائل شرح فيها المذهب الجديد. ولكنه سرعان ما اصطدم بنشتاكين الدرازي الذي كان من أحد دعاة التوحيد ممن أقروا بادئ ‏الأمر‎ ‎بإمامة حمزة لكنه انقلب فيما بعد عليه وأدعى أنه "سيد الهادين" وذلك نكايةً بحمزة بن علي الذي كان قد لقبه الحاكم بأمر الله ‏‏“بهادي المستجيبين”. ازداد عدد أتباع الدرزي الذين استجابوا طمعاً في مال أو جاه، وتمادوا في أعمالهم السيئة مما أثار غضب الناس ‏عليهم. وراح‎ ‎يسعى إلى فرض الدعوة بالقوة، الأمر الذي أغضب حمزة بشدة وجعله يخاطبه في‎ ‎إحدى رسائله إليه قائلا: "ليس الإيمان ‏بحاجة إلى سيف يعينه، بل إلى‎ ‎الإقناع والروية". وقد اكتشف حمزة أن الدرازي ليس فقيه بالمذهب،‎ ‎ولا يملك العلم الحقيقي الذي يجب أن ‏يتمتع به الدعاة.‏

صار الدرازي وقلة ممن اتبعوه يغالون في‎ ‎التأويلية مغالاة ظاهرية دفعتهم إلى حد إنكار ظاهر الشريعة.‏‎ ‎فحاول حمزة إبقاء المذهب في ‏إطاره‎ ‎الإسلامي السليم، مخاطبا الدرازي بقوله "أن الظاهر والباطن متلازمان مثل الجسد والروح، لا غنى لأحدهما عن الآخر". غضب ‏الحاكم بأمر الله من الانحرافات والمُخالفات التي أثارت النزاعات وسببت العداء وأمر حمزة بن علي بتعليق الدعوة سنة 1018 م. وفي ‏آخر يوم من سنة 409 هجري (1018م.) زحف الدرزي وأتباعه على مسجد ريدان قرب قصر الخليفة، مقر الإمام حمزة بن علي، ولم ‏يكن مع حمزة بن علي داخل المسجد سوى اثني عشر نفرًا. لم يفلح المُهاجمون في اقتحام المسجد طيلة النهار فتفرقوا. وفي اليوم التالي، ‏أول أيام السنة الهجرية 410 (1018 م.) قتل الدرزي، وقد تبرأ منه الموحدون. فقد سببت‎ ‎المحاولات المشبوهة التي قام بها آنذاك في ‏ضجة "إعلامية" أدت إلى إطلاق‎ ‎اسمه على أتباع دعوة التوحيد. ‏

بالرغم من محاولة الحاكم إقفال الدعوة حينها، ألا أنها عادت بعد مقتل الدرزي، سنة 410 هجري، ونُظمت من جديد وعاد الدُعاة إلى ‏سابق عهدهم يكتبون العهد، أي الميثاق، على المستجيبين. بقيت الدعوة ناشطة حوالي سنتين، إلى أن غادر الحاكم بأمر الله قصره يوم ‏‏12 فبراير عام 1021 ، قاصدًا وكعادته في كل ليلة جبل المقطم، ولكنه لم يعد. وباحتجاب الحاكم علق الإمام حمزة الدعوة (ومن هنا جاء ‏اسم "السجل المعلق")، واختفى (يقول الدروز "غاب") هو وأخوته إسماعيل بن مُحمد التميمي، ومُحمد بن وهب القرشي وسلامه بن عبد ‏الوهاب السامرّيّ بعد أن سلم أمور الدعوة إلى بهاء الدين عليّ بن أحمد الطائي.‏

وبعد الحاكم بأمر الله اعتلى عرش الخلافة الفاطمية الأمير علي الملقب بالظاهر. وقد حقد على الدروز لأنهم لم يعترفوا له بالإمامة التي ‏كان الحاكم بأمر الله قد قلّدها لحمزة بن علي، فما مضت الأربعين على احتجاب الحاكم بأمر الله حتى أقام على الدروز اضطهادا في كل ‏أنحاء مملكته، من انطاكية شمالا إلى الإسكندرية جنوبًا، حيث قتل الألوف منهم بعد العذاب والتنكيل. فكان رجال الظاهر يذبحون الموحدين ‏ويرفعوا رؤوسهم على الرماح، أو يحرقونهم في النار، أو يعملوا فيهم السيف ويبقرون البطون ويقطعون القلوب والأكباد. وكانوا يصلبون ‏الرجال على الصلبان، ويسلبونهم أموالهم، ويسبون النساء والأولاد ويذبحون الأطفال الرضّع في أحضان أُمهاتهم. وما الغريب في الأمر ‏بأن الموارنة قاموا بنفس هذه الأعمال الهمجية ضد قرى الدروز أيام الحرب الأهلية في لبنان، فالتاريخ له طريقة غريبة في إعادة فصوله ‏الكريهة. دامت المحنة سبعة سنوات قاسية قام بهاء الدين بحجب الدعوة في أغلبها. ولم ينتهي اضطهاد الظاهر للدروز إلا خلال سنتي ‏‏1025 ـ 1027 عندما حصل الجفاف في مصر وانتشرت الفئران بشكل لم يعد الأطفال والناس في مأمن على شرابهم وطعامهم ‏ومحاصيلهم منها. وأصاب الوباء بلاد الشام مما ساهم في إلهاء الدولة الفاطمية عن البطش بالدروز .‏

استمرت الدعوة حتى عام 1042 ميلادية بعد انتهاء بهاء الدين علي‏‎ ‎بن أحمد الطائي من كتابة عشرات الرسائل لنشر الدعوة في معظم ‏أرجاء العالم الإسلامي. لقد كانت علاقة العقيدة الدرزية بالإسلام موضع البحث الدائم والتشكيك من قبل الباحثين والنقاد، وقد اختلفت آراء ‏الباحثين حول الموضوع فمنهم من اعتبر الدرزية مذهباً من المذاهب الإسلامية ومنهم من اعتبرها ديانة مستقلة بحد ذاتها، حتى وصل ‏الموضوع إلى درجة عالية من الضبابية على أعلى المستويات. فالدروز لا يقومون بأداء أركان الإسلام الخمسةَ (تلاوة الشهادة،الصلاة ‏خمس مرات يوميا، الزكاة، َصُومُ شهرِ رمضان والحجًّ إلى مكة) ولذا فإن أكثر المسلمين لا يَعتبرونَهم جزءَ من المسلمين بل خوارجا عليه. ‏أما الدروز فيعتبرون أنفسهم مسلمون ويعلن شيوخهم دائماً انتمائهم للإسلام، وتعتبر الطائفة الدرزية في سورية مذهباً إسلامياً بالرغم من ‏وجود الأحكام المذهبية الخاصة بها والتي يُعامل أبناء هذه الطائفة وفقها معاملةً تختلف عن معاملة باقي الطوائف الإسلامية في سورية. ‏من جهةٍ أخرى أصدر الأزهر فتوى تقول بانتماء الدروز إلى الإسلام كما فعل مفتي سورية في حين هناك العديد من الفتاوى التي تكفر ‏الدروز وتخرجهم من البيت الإسلامي كفتوى ابن تيمية الشهيرة. ‏

يؤمن الدروز بالقرآنَ كتابا مقدّسَا ولكنهم يَنْظرُون إليه كمجرد غشاء خارجي، يَحْملُ داخلَه معنى باطني. وتعرف نصوصهم الدينية إجمالا ‏باسم كتاب الحكمةِ: مجموعةُ كتب، الستّة الأولى منها هي الأكثر شيوعا واستعمالا. وهم توحيديون بِحزم، يُؤمنُون بتفردِ الله الذي لا شريكُ ‏أَو إبنُ له، و لَيسَ جزءَ من ثالوثِ، وقد خَلقَ الكون مِنْ العدم، وهو قديرُ عليم. يَعْترفونَ بسبعة أنبياء رئيسيينَ، منهم آدم وإبراهيم ‏والمسيح ومحمد. يَرْفضونَ مفهومَ الولادة البتوليةِ، ويَعتقدونَ بأنّ السيد المسيح كَانَ إبنَ يوسف. لكُلّ نبي رئيسي لديهم سبعة أنبياء ‏صغار؛ ولكُلّ من هؤلاء إثنا عشرَ تابعُ، منهم النبي دانيال، والفيلسوف أفلاطون وأفراد آخرون مِنْ التاريخِ التوراتي واليوناني. لا يعبدون ‏الأنبياء ولكنهم يستعملون أسمائِهم في الشفاعة عند الصعاب، ويعتبرونهم منزهين عن الخطأ والذنوب.‏

يعتقد الدروز على غرار أتباع العديد مِنْ أديانِ الشرق الأقصى، بأنّ بتناسخ الروح فورا بعد الموتِ، لتولد من جديد في جسمِ إنساني آخرِ. ‏يَعتقدونَ بأنّ كُلّ أرواح خُلِقتْ سويا وأن العددُ الكليُّ للأرواحِ لم يزداد أو ينقص منذ الأزل، وبأن الروح ستمر خلال أعمارِ عدة بتجربة ‏كاملة "للصحةِ والمرضِ وحسن وسوءِ الحظ وثراء وفاقةِ." لكُلّ روح الفرصةُ لكي ". . . تتقدّمْ صاعدة إلى أنْ تصِلُ مرحلة النقاء،" وقد ‏تصل خلال التناسخِ المتعاقبِ إلىْ الاتَّحادُ في النهاية "بالعقلِ الكلي".‏

أما مفهومهم عنْ السماءِ والجحيمِ فهو روحيُ: "السماء هي منتهى السعادةُ التي تشعر بها الروحَ عندما تُقابلُ خالقَها وتَتّحدُ معه. . . ‏والجحيمُ. . . هو الشعور المرُّ بالحرمان من التواجد الانهائي أما الذات الإلهية." كُلّ شخصُ لديه ميلُ مساوي لفِعْل الخيرا والشرِّ وهو حر ‏في الاختيار ما بين القيام بما هو صحيحِ أَو خاطئِ. إنّ الوصايا السبع التاليةَ هي ما يميز الحياةِ اليوميةِ للدروز: صدق اللسان ، وهي ‏الميزة الأولى والأعظم لديهم؛ تربية وحمايةُ الإخوةِ؛ إجتثاث المغالطاتِ والبطلانِ؛ رفضُ الشر والتعدي؛ عبادة الله في كُلّ عصر وفي جميع ‏الأوقات؛ القبولُ شاكرين بما يأتي به القدر من عند الله؛ والتسليم التلقائي بإرادة الله. ‏

تسمى أغلبية الدروز بالجهال، ويمنعون عادة من الاطلاع على النصوصِ الدينيةِ، بل يَحْضرونَ الجزءَ الأولَ فقط مِنْ الإجتماعاتِ الدينيةِ ‏للجماعة التي تعقد أيام الخميس. وحوالي خمس الأعضاء يعرف بالعقال (جمع عقل) – وهم الأعضاء المتطلعين على أسرار دينهم. لا ‏يتزوج الدروز إلا من ضمن عقيدتهم، ويعتبر الزوجان متساويان في الواجبات والحقوق. أما تعدد الزوجات والعبودية فحرام لديهم. ونرى ‏في ذلك تأثير الحاكم بأمر الله الذي كان سباقا في ثلاث: إعلان حرية العقيدة الدينية ومنع الرق وإطلاق العبيد وتقسيم الحكم بين السنة ‏والشيعة بصورة متساوية.‏

هل من المستحيل أن نطلب من العرب أن يتعلموا من التاريخ شيئا، بدلا من تذكر الرجل لمنع أكل الملوخية لا غير؟ ‏

وهل يجوز السؤال؟

ليست هناك تعليقات: