كان اسمه محمد بن إسماعيل نشتاكين، وكان على ما يزعمون ترزيا (درازيا) من إيران. انقلب على إمامه حمزة بن على بن أحمد عام 1018 ميلادية ليصبح داعيا إلى ما لن تقبل به قلوب أتباعه فما لبثوا أن قتلوه في ظرف عام من هلوسته. ولكن قتله لم يزل اسمه عنهم فصاروا يلقبون بذاك الذي حرم عليهم نطقه لكراهيتهم لهم – الدروز. يطلقون على أنفسهم "الموحدون" – وقد ظهروا أول ما ظهروا في شمال أفريقيا أبان حكم الفاطميين عام 1017 حيث كشف رسمياً عن مذهب التوحيد في زمن الحاكم بأمر الله ،الخليفة الفاطمي السادس حفيد المعز مؤسس الدولة الفاطمية في مصر. كانت الدولة الفاطمية إلى واحدة من أقوى الكيانات السياسية الحضارية العربية وقد وصل حكامها إلى الحكم والى هذا المجد الحضاري عن طريق دعوة (مذهبية) ناشطة ومحكمة التنظيم ،وقد استمروا على صلة وثيقة بها بعد توليهم الخلافة بل وأمدوها بكل سبل الدعم انطلاقاً من مركزهم القوي على رأس الدولة ووسط تكتم وحذر شديدين. فقد كان الفاطميون يرجعون نسبهم الى الإمام علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة بنت الرسول ذلك من أجل القول مثلهم مثل غيرهم من الفرق الشيعية أنهم الأحق بالخلافة. وقد كانوا من أشد المهتمين بالجانب الفكري للإنسان، وعكسوا عبر دعائهم مزايا خلقية طيبة جديرة بالاحترام حيث وصفهم المؤرخون بالحكماء، العقلاء، ذوو الفهم الجيد، واللسان الفصيح، والكلام العذب، أتقياء روحياً، طاهرين جسدياً. وقد كان الفلاسفة والعلماء ورجال الفكر من بين دعاتهم البارزين. لقد سعى المذهب الفاطمي إلى تدعيم العقيدة الدينية بالفكر الفلسفي بهدف تحصين التوافق بين الفلسفة والوحي، ولقي هذا المذهب بما تضمنه من تأملات فلسفية ودعوات إلى "التفكر" وبما شجع من حرية في البحث قبولاً لدى النفوس المتسائلة، الحائرة، وكذلك بين الفقراء و المضطهدين سياسيا و اجتماعيا في عصر الدولة العباسية. وكان الخلفاء الفاطميون أنفسهم علماء وكان العلم لديهم من متطلبات الخلافة والمقام فهم أئمة الدعوة الإسماعيلية والقيمون عليها، وكان الخليفة يشرف بنفسه على التربية الروحية لخلفه يرشده إلى القراءة في مذهب التأويل ويتابع تقدمه، وهناك كتب عدة في العقيدة الإسماعيلية تنسب إلى الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين الله الذي سميت باسمه مدينة القاهرة. وقد عُرف الفاطميون بالتسامح الديني إذ نادراً ما تدخلوا ـ رغم قوة دولتهم ـ في معتقدات رعاياها و شمل تسامحهم مسلمين من غير مذهبهم وأهل الذمة. دعت عقيدة التوحيد أتباعها بكثافة للتغذي بالعلوم الروحية ولم تسقط مسألة ممارسة الشعائر الدينية من متطلباتها، بل أوصت صراحة بالحفاظ على سنن الشريعة الإسلامية وتكاليفها، وقد كان هذا الحرص السبب الرئيسي للخلاف الذي حدث بين حمزة بن علي ونشتاكين الدرازي بعد عام من إعلان الدعوة، وهو الخلاف الذي أغضب الحاكم بأمر الله من الدرازي. في بداية عام 1017م دعا الحاكم بأمر الله الناس إلى كشف عقائدهم بلا خوف ولا تستر. ولما تجلى "النور الإلهي" في الحاكم انتقلت الإمامة الى حمزة بن علي بن أحمد الزوزني الذي وصل إلى القاهرة عام 1016 قادماً من الشرق. وبعد عام من وصوله كان حمزة قد ألف عدة رسائل شرح فيها المذهب الجديد. ولكنه سرعان ما اصطدم بنشتاكين الدرازي الذي كان من أحد دعاة التوحيد ممن أقروا بادئ الأمر بإمامة حمزة لكنه انقلب فيما بعد عليه وأدعى أنه "سيد الهادين" وذلك نكايةً بحمزة بن علي الذي كان قد لقبه الحاكم بأمر الله “بهادي المستجيبين”. ازداد عدد أتباع الدرزي الذين استجابوا طمعاً في مال أو جاه، وتمادوا في أعمالهم السيئة مما أثار غضب الناس عليهم. وراح يسعى إلى فرض الدعوة بالقوة، الأمر الذي أغضب حمزة بشدة وجعله يخاطبه في إحدى رسائله إليه قائلا: "ليس الإيمان بحاجة إلى سيف يعينه، بل إلى الإقناع والروية". وقد اكتشف حمزة أن الدرازي ليس فقيه بالمذهب، ولا يملك العلم الحقيقي الذي يجب أن يتمتع به الدعاة. صار الدرازي وقلة ممن اتبعوه يغالون في التأويلية مغالاة ظاهرية دفعتهم إلى حد إنكار ظاهر الشريعة. فحاول حمزة إبقاء المذهب في إطاره الإسلامي السليم، مخاطبا الدرازي بقوله "أن الظاهر والباطن متلازمان مثل الجسد والروح، لا غنى لأحدهما عن الآخر". غضب الحاكم بأمر الله من الانحرافات والمُخالفات التي أثارت النزاعات وسببت العداء وأمر حمزة بن علي بتعليق الدعوة سنة 1018 م. وفي آخر يوم من سنة 409 هجري (1018م.) زحف الدرزي وأتباعه على مسجد ريدان قرب قصر الخليفة، مقر الإمام حمزة بن علي، ولم يكن مع حمزة بن علي داخل المسجد سوى اثني عشر نفرًا. لم يفلح المُهاجمون في اقتحام المسجد طيلة النهار فتفرقوا. وفي اليوم التالي، أول أيام السنة الهجرية 410 (1018 م.) قتل الدرزي، وقد تبرأ منه الموحدون. فقد سببت المحاولات المشبوهة التي قام بها آنذاك في ضجة "إعلامية" أدت إلى إطلاق اسمه على أتباع دعوة التوحيد. بالرغم من محاولة الحاكم إقفال الدعوة حينها، ألا أنها عادت بعد مقتل الدرزي، سنة 410 هجري، ونُظمت من جديد وعاد الدُعاة إلى سابق عهدهم يكتبون العهد، أي الميثاق، على المستجيبين. بقيت الدعوة ناشطة حوالي سنتين، إلى أن غادر الحاكم بأمر الله قصره يوم 12 فبراير عام 1021 ، قاصدًا وكعادته في كل ليلة جبل المقطم، ولكنه لم يعد. وباحتجاب الحاكم علق الإمام حمزة الدعوة (ومن هنا جاء اسم "السجل المعلق")، واختفى (يقول الدروز "غاب") هو وأخوته إسماعيل بن مُحمد التميمي، ومُحمد بن وهب القرشي وسلامه بن عبد الوهاب السامرّيّ بعد أن سلم أمور الدعوة إلى بهاء الدين عليّ بن أحمد الطائي. وبعد الحاكم بأمر الله اعتلى عرش الخلافة الفاطمية الأمير علي الملقب بالظاهر. وقد حقد على الدروز لأنهم لم يعترفوا له بالإمامة التي كان الحاكم بأمر الله قد قلّدها لحمزة بن علي، فما مضت الأربعين على احتجاب الحاكم بأمر الله حتى أقام على الدروز اضطهادا في كل أنحاء مملكته، من انطاكية شمالا إلى الإسكندرية جنوبًا، حيث قتل الألوف منهم بعد العذاب والتنكيل. فكان رجال الظاهر يذبحون الموحدين ويرفعوا رؤوسهم على الرماح، أو يحرقونهم في النار، أو يعملوا فيهم السيف ويبقرون البطون ويقطعون القلوب والأكباد. وكانوا يصلبون الرجال على الصلبان، ويسلبونهم أموالهم، ويسبون النساء والأولاد ويذبحون الأطفال الرضّع في أحضان أُمهاتهم. وما الغريب في الأمر بأن الموارنة قاموا بنفس هذه الأعمال الهمجية ضد قرى الدروز أيام الحرب الأهلية في لبنان، فالتاريخ له طريقة غريبة في إعادة فصوله الكريهة. دامت المحنة سبعة سنوات قاسية قام بهاء الدين بحجب الدعوة في أغلبها. ولم ينتهي اضطهاد الظاهر للدروز إلا خلال سنتي 1025 ـ 1027 عندما حصل الجفاف في مصر وانتشرت الفئران بشكل لم يعد الأطفال والناس في مأمن على شرابهم وطعامهم ومحاصيلهم منها. وأصاب الوباء بلاد الشام مما ساهم في إلهاء الدولة الفاطمية عن البطش بالدروز . استمرت الدعوة حتى عام 1042 ميلادية بعد انتهاء بهاء الدين علي بن أحمد الطائي من كتابة عشرات الرسائل لنشر الدعوة في معظم أرجاء العالم الإسلامي. لقد كانت علاقة العقيدة الدرزية بالإسلام موضع البحث الدائم والتشكيك من قبل الباحثين والنقاد، وقد اختلفت آراء الباحثين حول الموضوع فمنهم من اعتبر الدرزية مذهباً من المذاهب الإسلامية ومنهم من اعتبرها ديانة مستقلة بحد ذاتها، حتى وصل الموضوع إلى درجة عالية من الضبابية على أعلى المستويات. فالدروز لا يقومون بأداء أركان الإسلام الخمسةَ (تلاوة الشهادة،الصلاة خمس مرات يوميا، الزكاة، َصُومُ شهرِ رمضان والحجًّ إلى مكة) ولذا فإن أكثر المسلمين لا يَعتبرونَهم جزءَ من المسلمين بل خوارجا عليه. أما الدروز فيعتبرون أنفسهم مسلمون ويعلن شيوخهم دائماً انتمائهم للإسلام، وتعتبر الطائفة الدرزية في سورية مذهباً إسلامياً بالرغم من وجود الأحكام المذهبية الخاصة بها والتي يُعامل أبناء هذه الطائفة وفقها معاملةً تختلف عن معاملة باقي الطوائف الإسلامية في سورية. من جهةٍ أخرى أصدر الأزهر فتوى تقول بانتماء الدروز إلى الإسلام كما فعل مفتي سورية في حين هناك العديد من الفتاوى التي تكفر الدروز وتخرجهم من البيت الإسلامي كفتوى ابن تيمية الشهيرة. يؤمن الدروز بالقرآنَ كتابا مقدّسَا ولكنهم يَنْظرُون إليه كمجرد غشاء خارجي، يَحْملُ داخلَه معنى باطني. وتعرف نصوصهم الدينية إجمالا باسم كتاب الحكمةِ: مجموعةُ كتب، الستّة الأولى منها هي الأكثر شيوعا واستعمالا. وهم توحيديون بِحزم، يُؤمنُون بتفردِ الله الذي لا شريكُ أَو إبنُ له، و لَيسَ جزءَ من ثالوثِ، وقد خَلقَ الكون مِنْ العدم، وهو قديرُ عليم. يَعْترفونَ بسبعة أنبياء رئيسيينَ، منهم آدم وإبراهيم والمسيح ومحمد. يَرْفضونَ مفهومَ الولادة البتوليةِ، ويَعتقدونَ بأنّ السيد المسيح كَانَ إبنَ يوسف. لكُلّ نبي رئيسي لديهم سبعة أنبياء صغار؛ ولكُلّ من هؤلاء إثنا عشرَ تابعُ، منهم النبي دانيال، والفيلسوف أفلاطون وأفراد آخرون مِنْ التاريخِ التوراتي واليوناني. لا يعبدون الأنبياء ولكنهم يستعملون أسمائِهم في الشفاعة عند الصعاب، ويعتبرونهم منزهين عن الخطأ والذنوب. يعتقد الدروز على غرار أتباع العديد مِنْ أديانِ الشرق الأقصى، بأنّ بتناسخ الروح فورا بعد الموتِ، لتولد من جديد في جسمِ إنساني آخرِ. يَعتقدونَ بأنّ كُلّ أرواح خُلِقتْ سويا وأن العددُ الكليُّ للأرواحِ لم يزداد أو ينقص منذ الأزل، وبأن الروح ستمر خلال أعمارِ عدة بتجربة كاملة "للصحةِ والمرضِ وحسن وسوءِ الحظ وثراء وفاقةِ." لكُلّ روح الفرصةُ لكي ". . . تتقدّمْ صاعدة إلى أنْ تصِلُ مرحلة النقاء،" وقد تصل خلال التناسخِ المتعاقبِ إلىْ الاتَّحادُ في النهاية "بالعقلِ الكلي". أما مفهومهم عنْ السماءِ والجحيمِ فهو روحيُ: "السماء هي منتهى السعادةُ التي تشعر بها الروحَ عندما تُقابلُ خالقَها وتَتّحدُ معه. . . والجحيمُ. . . هو الشعور المرُّ بالحرمان من التواجد الانهائي أما الذات الإلهية." كُلّ شخصُ لديه ميلُ مساوي لفِعْل الخيرا والشرِّ وهو حر في الاختيار ما بين القيام بما هو صحيحِ أَو خاطئِ. إنّ الوصايا السبع التاليةَ هي ما يميز الحياةِ اليوميةِ للدروز: صدق اللسان ، وهي الميزة الأولى والأعظم لديهم؛ تربية وحمايةُ الإخوةِ؛ إجتثاث المغالطاتِ والبطلانِ؛ رفضُ الشر والتعدي؛ عبادة الله في كُلّ عصر وفي جميع الأوقات؛ القبولُ شاكرين بما يأتي به القدر من عند الله؛ والتسليم التلقائي بإرادة الله. تسمى أغلبية الدروز بالجهال، ويمنعون عادة من الاطلاع على النصوصِ الدينيةِ، بل يَحْضرونَ الجزءَ الأولَ فقط مِنْ الإجتماعاتِ الدينيةِ للجماعة التي تعقد أيام الخميس. وحوالي خمس الأعضاء يعرف بالعقال (جمع عقل) – وهم الأعضاء المتطلعين على أسرار دينهم. لا يتزوج الدروز إلا من ضمن عقيدتهم، ويعتبر الزوجان متساويان في الواجبات والحقوق. أما تعدد الزوجات والعبودية فحرام لديهم. ونرى في ذلك تأثير الحاكم بأمر الله الذي كان سباقا في ثلاث: إعلان حرية العقيدة الدينية ومنع الرق وإطلاق العبيد وتقسيم الحكم بين السنة والشيعة بصورة متساوية. هل من المستحيل أن نطلب من العرب أن يتعلموا من التاريخ شيئا، بدلا من تذكر الرجل لمنع أكل الملوخية لا غير؟ وهل يجوز السؤال؟
أطلق إسم "مذهب التوحيد" على أتباع دعوة الحاكم بأمر الله، ولحق بهم مصطلح الدروز بعد نحو نصف قرن. وأساس معتقدهم وحدانية الخالق المطلقة ، وهم تأويليون لا يكتفون بظاهر النص الديني، يعتقدون بعودة (الحاكم) الإمام. ويؤكد السجل المعلق الذي يعتبر أهم "رسائل الحكمة" في عقيدة الموحدين، أن مذهب التوحيد هو مذهب إسلامي صحيح إذ يقول "بوحدانية الخالق، وبرسالة الرسول محمد إلى جميع العالم ، وبعصمة القرآن وتنزّله ، ويحث بوضوح على القيام باركان الإسلام. وقد ظهر هذا السجل في فبراير عام 1021 ميلادية بعد غياب الحاكم بأمر الله، وفيه وصف مفصل لتعاليمه وجهوده المتواصلة للإصلاح والعقبات التي واجهها، وسبب وكيفية غيابه. المذهب ارتكز أساسا على القرآن واقر إضافة إلى الأركان الأساسية للعقيدة الإسلامية، بأن التوراة والإنجيل كتب سماوية، لكنه في شكله هو مذهب صوفي غنوصي يصفونه "بالمسلك الثالث". ويعني ذلك أن الموحد (1) بعد أن يكون قد ارتضى بالعمل بموجب ظاهر الشريعة القرآنية وباطنها (2) يجب أن يصل بسعيه لفهم جوهر التوحيد إلى مرحلة من الإيمان بوحدانية الخالق يكون عندها (3) مهيأ لتقبل الحقيقة الإلهية دون حاجة إلى شعائر ووسائط .
السبت، 17 نوفمبر 2007
ديان ومذاهب جديدة جذورها في الإسلام - الحلقة (9)
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق