نعرف الكثير عن المذاهب المسيحية، فمن الأمور التي تؤخذ على المسيحية تفتتها أكثر من توحدها. فبالإضافة إلى مذاهبها الرئيسية الثلاث وهي الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية، تشعب كل منها إلى طوائف شتى: فالأرثوذكس أقباط ويونانيون وروس لكل منهم بابا يرأسهم، والكاثوليك موارنة وروم وأرمن بل وإنجيليو الإنجيل يحملون السلاح دفاعا عن حقوق المعدمين المهضومة في أمريكا الجنوبية. إلا أن كلا المذهبين لا يكاد يلحق بقدرة المذهب البروتستانتي على الانقسام إلى طوائف جديدة تتوالد بسرعة فائقة: لوثريون وكالفنيون ومعمدانيون وخمسينيون وإصلاح وخلاص وإخوة وما أدراك. بل أن معظم الجماعات الدينية المعاصرة التي تتفق جل المذاهب على خروجها عن اللاهوت المسيحي، ومنها شهود يهوة وأتباع مون والمورمون، إنما انشقت عن الكنائس البروتستانتية.
ومع اتساع معرفتنا بكل ذلك يبدو لنا الإسلام صرحا متماسكا لا إنقسام فيه سوى بين السنة والشيعة. ونادرا ما تزين مكتبات العالم العربي دراسات عن أية مذاهب انبثقت من الإسلام كما إنبثق شهود يهوه مثلا عن الكنيسة المتحدة عام 1852. ولا مجال هنا لذكر أسباب الصمت العربي إزاء العديد من المواضيع المثيرة للاهتمام فالقارئ أدرى بها مني، وما كنت لأتناول هذا الباب بالطرق ما لم يقل لي أحد الإخوة السودانيين منذ أيام بأن أصل البهائيين هي اليهودية وما أبعد الحق عن ذلك. وقد دفعني هذا إلى كتابة عدة مقالات قصيرة عن المذاهب المختلفة والأديان المشتقة عن الإسلام بدء من الطرق الصوفية وانتهاء بالبهائية وديانة السيخ، تسجيلا للحقائق وأملا في إلقاء الضوء على بعض ما خفي من ثقافة عالمنا الناطق بالعربية.
التصوف
التصوف شكل متميز من أشكال الإسلام ينال اهتماما كبيرا من العالم الغربي المعاصر وكتب عنه الكثير الجم من الدراسات الأكاديمية. فالأفكار والمفاهيم الصوفية بزغت مبكرا في الإسلام ولربما كانت نوعا من الاحتجاج على إيمان فقهي التوجه يشدد على طاعة إله سامي مستلب عن الإنسان. وسعى المتصوفون بحثا عن علاقة تعبدية حميمة أكثر دفأ والتصاقا بالمعبود ومحبة للذات الإلهية، إذ يمكننا تلخيص هدف التصوف في بلوغ المتعبد حالة توحد روحي مع الله.
الطرق الصوفية موجودة في المذهبين السني والشيعي منذ القرن الثاني عشر وهي عبارة عن مجموعات منظمة كبيرة يرشدها شيخ هو المسؤول عن الاتجاه الروحي لأتباعه وينشر تعاليمه عبر خلفائه. لكل طريقة شيخ ولكل شيخ تعاليمه الخاصة وأساليبه المختلفة في العبادة، ألا أن الهدف واحد وهو بلوغ الذات الإلهية والاندماج فيها عشقا.
تعتقد معظم الطرق الصوفية في الفصل بين الذات البشرية والذات الإلهية، فمثلما تتطلب أية علاقة عاطفية شخصين حتى يكون لها معنى، يتطلب الأمر كينونتان حتى يكون للتعبد معنى. ولكن كما هو الحال في الطرق الروحية الأخرى خارج الإطار الإسلامي، طور بعض الصوفيون فهما لتوحد الخالق مع خليقته، بل قد وصل الحال ببعضهم إلى التحدث عن أنفسهم وكأنهم أوعية تحتوي على الروح الإلهية. ومن هؤلاء الصوفي المشهور أبو مغيث الحسين منصور الحلاج (858 - 922) الذي لا يزال الجدل دائر حول شخصه ومقولته "أنا الحق" – وهي مقولة قد تبدو بريئة للوهلة الأولي حتى نعي بأن "الحق" هو أكثر أسماء الله الحسنى قربا من قلوب المتصوفة. وقد اختار الحلاج أن يموت صلبا تشبها بالناصري.
دراويش الجراح
تعرف هذه الطريقة الصوفية التركية بالطريقة الخلوتية الجراحية وقد نالت شهرة مؤخرا في العالم العربي عندما أذاعت الجزيرة فقرة عن شيخة الطريقة فيليبا فردريك ولا داعي لذكر رد فعل بعض المشاهدين على ذلك.
نشأت الطريقة على يد الشيخ محمد نورالدين الجراحي (1678 – 1721) الذي عين قاضيا في مصر في عمر التاسعة عشر ولكن سفره تأخر لسبب ما وأثناء انتظاره في الإستانة قابل الحاج علي علاء الدين الخلوتي كوستانديلي من أتباع الفرع الجلواطي للطريقة الخلوتية، فتبعه وتنسك وتتلمذ على يده إلى إن وافت المنية الحاج علي عام 1704 فخلفه نور الدين في رئاسة الطريقة وهو في السادسة والعشرين مؤسسا طريقته في خلوة بضاحية كاراجمرك تقع مقابل جامع جانفيدا هاتون. ولا زالت الطريقة تتخذ من المبنى مقرا لها.
الطريقة الخلوتية الجراحية هي طريقة صوفية إسلامية تقليدية تمارس أركان التصوف التركي الخمسة: السمع (وهو الرقص في دوائر)، والذكر والخلوة والصوم والصمت. ومن مقتطفات تعاليمهم "الصوفية هي قلب الإسلام النابض بالحب. ويدعى المتصوفون بالفقراء – فهم لا يملكون شيئا، ولا حتى نفوسهم. ولكنهم في واقع الأمر يمتلكون كل شيء ولا شيء ولا يمتلكهم أحد. الطريقة تبدأ بالمعرفة، وتحت أجنحة المعرفة الحامية تتعلم كيف تصير كائنا جميلا، لطيفا ورحيما، كما أرادنا الله أن نكون عندما خلقنا. وحينها تشعر بحب الخالق لك وبحبك له. تعال إذا، وأكنس غرف قلبك وجهزها لينزل بها المعشوق. فهو لن يدخلها ما لم تخرج منها أنانيتك الأول. وعندما يدخلها سيعكس جماله من خلالك ليراه الجميع."
"الشيخ هو ساكب الخمر والدرويش هو الكأس. والخمر المسكوبة هي الحب. وتمتلئ الكأس بيد الساكب. هذا هو الطريق المختصر إلى الله"
انتشرت الطريقة في العالم الغربي ولها حاليا فورع في إسبانيا، بوسنيا، ألمانيا، إيطاليا، اليونان، فرنسا، إنجلترا، المكسيك، الأرجنتين، البرازيل، كندا والولايات المتحدة. أتباع الطريقة نشطون في جمع المال لمساعدة المتضررين بالحرب والكوارث وخاصة في وسط العالم الإسلامي - فهل نسمع عنهم شيئا؟ وهل نقرأ شيئا من الكتابات الكثيرة التي تخرج من تحت أقلام شيوخها من الأتراك والأوربيين؟
وهل يجوز السؤال؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق