الجمعة، 10 أغسطس 2007

أديان ومذاهب جديدة جذورها في الإسلام - الحلقة 2

تحدثنا في العدد السابق عن إحدى الطرق الصوفية من تركيا كنوع من التقديم لما في جبة الإسلام من معتقدات لا تتناولها كتبه بالبحث عادة لأسباب عدة: منها لأنها لا تتفق ومفهوم أغلبية من لهم حق الكتابة عن الدين الإسلامي، ومنها الجهل بها من أصله، ومنها الاعتقاد بأن ما لا يطرق إليه سوف يختفي بقدرة قادر. وفي حلقة اليوم سنتناول واحدة من عدة طرق صوفية أصلها هذه المرة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ينتشر إسلام بين الأمريكيين السود والبيض هو بعيد كل البعد عما تعودنا نحن عليه في الشرق الأوسط.

النظام الصوفي الغربي (الحركة الصوفية الدولية)

بدأت أول مراحل الاهتمام بالصوفية في الغرب مع الهندي المسلم حضرة عنايت خان (1882 – 1927) حينما ترك موطنه متجها إلى أوربا ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1910 ليؤسس بها طريقة صوفية صارت تعرف فيما بعد بالحركة الصوفية الدولية (وانشق عنها النظام الصوفي في الغرب).

كان عنايت خان حفيد السلطان تيبو وهو حاكم ميسوري الشهير في القرن الثامن عشر. تدرب عنايت خان على يد جده موسيقارا محترفا وحصل على لقب "تنسيم" (كبير الموسيقيين) من حاكم حيدرآباد. وقد رباه جده على التسامح واحترام كل الأديان. وكان عنايت في شبابه شديد الاهتمام بالدين والروحانيات وتتلمذ على أيدي العديد من "فقراء" الهند ورجالها "القديسين" من مختلف الأديان إلى أن انتهى به الأمر مريدا للشيخ سيد محمد هاشم مدني، شيخ الطريقة الشيشية الصوفية. واستمر عنايت بعد وفاة شيخه في البحث والدراسة على يد معلمين هندوس ومسلمين إلى أن تنبأ له أحد البراهمة بأن مستقبله الروحي سيكون غربا.

اتسمت تعاليم عنايت بالشمولية الانتقائية في التصوف مؤكدة على تسامي الصوفية الحقة فوق كل الأديان المتفردة لأنها مؤسسة على معرفة الحق الكامن في الروح الإنسانية معرفة مباشرة، بينما تتمتع كل الأديان في جوهرها بهذا الحق ألا أن الجوهر تغطيه ترسبات ثقافية. وتحتوي تعاليمه على سمات تعتبر من أسس الصوفية الشيشية التقليدية والفكر الهندوسي الفلسفي (ادفايتا فيدانتا)، وجوهر هذه التعاليم هو الإيمان بدور الموسيقى في تدريب الروح البشرية على إدراك التوحيد التي يتشبع بها الكون.
وقد قال عنايت خان في احدي كتاباته عن مفهومه للإسلام قائلا: "إذا فهمنا الإسلام على أنه الالتزام الفرض بمناسك بعينها، إذا كان على المسلم أن يتمسك بقيود محددة، فكيف لنا أن نضع المتصوف ضمن هذه الفئة وهو قد سما فوق كل التقييدات من هذا النوع؟" وعن البروتستانتية كما فهمها: "أنها دين يخلو من الروح والشكل، زهرة بلا بون ولا عطر. أنها خشخاشة وضعت في يد طفل يريد حلوى لإسكاته. وهي لا تختلف كثيرا عن اعتقادات أهل الحديث بين المسلمين في تمسكها بالحرفيات بدلا من الروحانيات – فالكلمة لديهم أهم من قلب يتقد إيمانا."

ومن تعاليمه الأخرى أيضا: "إن كان الأمر كبيرا أو صغيرا، استشير قلبك أولا لتكتشف إذا ما كان هناك نزاع في دواخلك بشأن ما تريد القيام به. فإن كان قلبك في سلام، كن واثقا بأن الطريق فتح أمامك – خذ الخطوة الأولى إلى الأمام فالثانية ستكون بقيادة الله."
وقد أدت تأكيدات عنايت خان على الحرية الروحية في تعاليمه إلى فهم العديد من الغربيين لعدم تضافر الممارسات الإسلامية المعاصرة والتصوف الذي يمارسونه، بالرغم من أن أتباعه يواصلون أداء الذكر بالعربية منا يفعل المسلمون.
أسس عنايت خان الحركة الصوفية عام 1923 وقادها بعد وفاته عام 1927 أخ له ثم إبن عم لهما. ويقال بأن عنايت خان أراد لإبنه ولايت خان (المولود عام 1916) أن يخلفه، ولكن ولايت لم يبدي اهتماما بالصوفية حتى عام 1960، حين انشق عن الحركة مكونا النظام الصوفي الغربي بعد أن اعترض بقية قادة الحركة على خلافته.

استمر ولايت خان من خلال النظام الصوفي الغربي في الترويج لتعاليم والده وأفكاره، وقد تبعه أول الأمر مريدين أبيه الأوائل الذين كان معظمهم من الفنانين المتربين في الطبقة الوسطى. ولكن سرعان ما بدأت الحركة في جذب العديد من عناصر الثقافة المضادة (الهيبيز ومعارضي حرب فيتنام والتمييز ضد السود).

تبقى تعاليم النظام الداعية إلى الصوفية الشمولية وممارساتها جوهر عمل النظام الصوفي الغربي. ويتم تعريف المريدين بتعاليم النظام من خلال "رقصة السلام الشامل" التي تصاحبها تسابيح لها أصول إسلامية ألا أنها تستقي فحواها من الديانات الأخرى. ويختار كل مريد معلم يعرفه تدريجيا على تعاليم عنايت خان، ولكنهم لا يعتبرون أنفسهم مسلمين. كما يشدد النظام على انخراط المريدين في الممارسات العلاجية البديلة (مثل التأمل، اليوجا، الرايكي إلخ) التي من شأنها الوصول إلى توازن ذهني وعقلي، بدلا من الممارسات الروحانية الإسلامية التقليدية.

ولا زال النظام في نمو متزايد منذ السبعينات في أمريكا الشمالية وبريطانيا وأوربا الغربية، وهو محافظ على انتقائيته على عكس الفرع الثاني والمعروف بالحركة الصوفية الدولية.

قاد الفرع الثاني من الحركة الصوفية كما ذكرنا أخ لعنايت وإبن عم له حتى عام 1988 حين اختير هدايت عنايت خان، الإبن الثاني لعنايت لقيادة الحركة، إلى جانب الهولنــدي د. فيتييفن (المعروف باسم مرشد كريم باخشاه) الذي التحق بالحركة عام 1921. مقر الحركة الصوفية حاليا هي لاهاي عاصمة هولندة. تختلف الحركة في تعاليمها عن النظام إذ أنها لا تحبذ مفاهيم العصر الجديد الروحية بل تركز على خمسة نشاطات رئيسية: الأخوة، العبادة الشاملة، النشاط الباطني، العلاج وعلم الرموز.

يمثل نشاط الأخوة التعليم الجوهري للحركة والقائل بأن الله لا يسكن داخل معابد بل في قلب الإنسان. ويحاول النشاط الترويج للأخوة وسط البشر من خلال محاضرات تعمل على تقريب المفاهيم الغربية والشرقية في إطار من التسامح والتفاهم. أما العبادة الشاملة فهي مفتوحة أمام كل من يرغب في الحضور وقد أسسها عنايت خان عام 1921 بحيث تعكس إحترام الحركة لكل الأديان وكل مؤسسيها. وهي تشتمل على قراءات من مختلف الكتب المقدسة ووجود رموز من مختلف الأديان وتتلى أثناء العبادة صلوات من تأليف عنايت خان ثم تتم مباركة كل الحضور.

النشاط الباطني – ويعرف أيضا بمدرسة الثقافة الباطنية – هو أحد نشاطات الحركة الجوهرية، حيث تتم من خلاله تدريس التعاليم الصوفية للمريدين كما وضعها حضرة عنايت خان. وترمز الثقافة الباطنية إلى معرفة الذات ويتطلب الانخراط فيها بيعة أحد المعلمين المؤهلين في الحركة.
من صميم تقاليد الطريقة الشيشية الصوفية التي بها جذور عنايت خان الروحية هو العلاج بالروحانيات والأعشاب. وقد وسعت الحركة الصوفية هذا التقليد حتى صار ممارسة للطب البديل شاملة جامعة، أساسها أهمية التوازن العقلي في سبيل نيل الصحة البدنية. والفلسفة الجوهرية التي بنيت عليها هذه الممارسة هي أن داخل روح كل منا قوة الله الشافية. كما يتم تعريف المريدين على دراسة الرموز لفهم ما تحمله الحياة اليومية من رموز باطنة – ويتم تعليم ذلك من خلال طقسين: أولهما الصراط وهو محاولة تفريغ العقل من الأفكار السيئة التي تقف عائقا في طريق الوصول إلى الطريق الروحي، وثانيهما طقس العناصر وهو عبارة عن رقصة جماعية يدعى أنها من الرقصات القديمة في الديانة الزرادشتية.

هذا ولعنايت خان ابنة قصتها قصة بطولة الروح على الجسد – الأميرة نور عنايت خان التي عملت ضابطة اتصالات في جيش الحلفاء أثناء الحرب العالمين الثانية في فرنسا إلى أن قبض عليها الغستابو وعذبها الألمان شر تعذيب علها تدلهم على بقية أعضاء خليتها. ولكنها رفضت فماتت شهيدة في معتقل داخاو ضربا بالسياط، ولم يعرف قدرها إلا مؤخرا عندما قامت الحكومة الفرنسية بمنحها وسام الشجاعة من الدرجة الأولى ومنحتها الحكومة البريطانية وسام الملك جورج. فهل يا ترى كانت سيرتها هي الزهرة ذات اللون والرائحة؟

وهل يجوز السؤال؟

ليست هناك تعليقات: