لا زالت جولتنا في هذا العدد داخل الأشكال العجيبة التي تحور بها الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية. فالإسلام في هذه الدولة العظمى لا هو بجديد ولا بالقليل النادر، ويرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر حينما قام الرحالة المسلم محمد بن عبد الله بن إدريس) المعروف بالشريف الإدريسي ومعه 80 من المهاجرين الذين كانوا يقطنون إشبيلية أيام الأمير المرابط يوسف بن تاشفين، برحلة إلى 14 جزيرة وصفها الإدريسي في مذكراته 14ويعتقد أن بعضا منها قد يكون في البحر الكاريبي. وقد استند مكتشف أمريكا كولومبوس على هذه المخطوطة في رحلته. وبحلول عام 1527، كان العربي المغربي المتنصر إسطفان دليلا للإسبان الراغبين في الاستيطان بما يعرف حاليا بولاية أريزونا. ويقال أن من بين أوائل المستوطنين في العالم الجديد مسلم مغربي آخر اسمه نصر الدين قام بقتل أحد أميرات الهنود الحمر لرفضها زواجه.
ولكن حديثنا اليوم ليس عن هؤلاء أو عن مئات المسلمين غيرهم الذين جاءت بهم حظوظهم إلى العالم الجديد، تجارا ورقيقا وطالبي علم ومغامرين، بل سنتحدث عن ثلاث جماعات أولهم – وهي التي سنتناولها بالبحث اليوم - معروفة لدينا من وسائل الإعلام لأنها تحظي بعدم رضا السلطات الأمريكية عنها. أما المجموعتان التي سنتطرق إليها في العدد القادم فهن مثال على ما يحدث في الولايات الأمريكية من خلط ومزج بين مختلف الأفكار تؤدي في نهايتها إلى أشكال من العبادة يقطب لها الجبين تعجبا.
أمة الإسلام (The Nation of Islam)
يرى العديد من الكتاب الأمريكيين غير المسلمين بأن منظمة "أمة الإسلام" إنما هي في الأساس تعبير عن إحباط الأمريكيين من الأصل الأفريقي نتيجة عقود طويلة من التمييز ضدهم واضطهادهم. فبالرغم من إنتهاء ممارسة الرق عام 1865 ألا أن أوضاع الأمريكيين الأفارقة لم تتغير حتى منتصف القرن العشرين.
بدأت الحركة على يد شخص يدعى والس دي فرد (1877-1934) والذي أطلق على نفسه فيما بعد اسم فرض محمد دلالة على قبوله الإسلام. ويقال أن فرض محمد هذا لم يكن في الأصل من الزنوج بل مولدا من أب أبيض وأم من الماوري، وبأنه استوحى أفكاره من معبد العلوم المغربية الذي أسسه تيموثي مور عام 1913، ومن جمعية تحسين ظروف الزنوج العمومية التي أسسها عام 1914 ماركوس غارفي. وأدخل فرض محمد بعضا من مفاهيم الإسلام على أيديولوجيته مكونا ما عرف فيما بعد بأمة الإسلام، وقد قام بإدخالها في أغلب الأحيان حتى يميز بين جماعته والغالبية المسيحية من البيض، ولما في الإسلام من المفاهيم النظرية للمساواة بين البشر حيث (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى)، وحيث يعتبر عتق العبيد عملا بارا.
ومع مرور الوقت بدء فرض محمد يدعي بأنه الله المتجسد وخالق العالم، وصار يعرف نفسه لمريديه بأنه مسيح النصارى ومهدي الإسلام. وعام 1931 قام بتعيين عامل زنجي اسمه إيليا بوول خليفة له في المنظمة بعد أن غير اسمه إلى إيليا محمد .
خلقت تعاليم إيليا محمد أسطورة أضفت على الزنوج سمة الإنسان الأول (وهو ما قد أثبتته علوم الأنثروبولوجيا حاليا) الذي خلقة الله، ثم شرخ به الخيال فقال أن البيض ما هم إلا نتيجة تجربة فام بها عالم أسود اسمه يعقوب، وبأن الزنوج سيبيدون البيض " عند نهاية العالم الذي سيحين قريبا كما هو مذكور في الإسلام حسب تفسير إيليا له، وعندها سيقوم الزنوج بالحكم في الفردوس الذي حضره لهم المهدي المنتظر.
كان لإيليا محمد مريدين مفضلين أحدهم هو مالكوم ليتل المعروف بمالكوم أكس (1925 – 1965)، وقد اتخذ العديد من أعضاء جماعة الإسلام لقب أكس رفضا لألقابهم السابقة التي كانت أصلا ألقاب أسيادهم عندما كانوا عبيدا. وأصبح مالكوم المتحدث الرسمي باسم المنظمة ولكنه سرعان ما رغب في تركها وإتباع الإسلام الحقيقي مما أدى إلى انشقاق في المنظمة يقال أن مالكوم أكس اغتيل بسببه عام 1965 وهو يحاضر في نيو يورك. ويدعى بأن أعضاء موالين لإيليا محمد هم الذين قاموا بإطلاق الرصاصات الست عشر على مالكوم بينما المستمعين ملتفتين في الاتجاه المعاكس لمشادة مفتعلة في الصفوف الأخيرة. وهناك رواية أخرى تقول بأن الحكومة الأمريكية هي التي عملت على التخلص منه لمناداته بحقوق الزنوج الأمريكيين أسوة بالبيض.
وبعد وفاة إيليا محمد عام 1975 قام ابنه وارث الدين محمد بخلافته في قيادة أمة الإسلام في اتجاه الإسلام الصحيح تحت مسمى جديد وهو الدعوة الإسلامية، مما أدى إلى انقسام أخر في المنظمة. وقام أحد المتحدثين البارعين والموسيقي المتمرس لويس فرخان بتأسيس مجموعة منافسة أسماها أمة الإسلام الأصلية على أساس تعاليم إيليا محمد. وقد قام بتنظيم مسيرة المليون شخص" إلى واشنطن عام 1965 لينافس بها مسيرة مارتن لوثر كينغ عام 1963، ولا يزال يجذب اهتمام وسائل الإعلام حتى يومنا هذا بالرغم من فقدانه معظم أعضاءه الذين تحولوا نحو مجموعة وارث الدين محمد. وهو يعتبر نفسه متحدثا ومدافعا عن الأمريكيين الأفارقة ويبدو على أنه بدأ التحول نحو الإسلام الصحيح هو الآخر في السنوات الأخيرة.
لا تعلن أمة الإسلام (وهو الاسم الذي يطلق مجازا على المجموعتين) عن أعداد أعضائها ولكن يقال بأن لديهم ما بين 25 و 100 ألف عضو في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبريطانيا.
والسؤال هو أي الأمم المسلمة هي الأصلية – أتلك التي في الشرق الأوسط، أم في شرق آسيا أم وسط الضواحي الفقيرة في واشنطن ونيويورك وأورليانز؟ علما بأن المسلمين العرب لا يعترفون بأمة الإسلام الأمريكية لأنها، حسب قول أحد الشيوخ السعوديين الذين أفتوا في الأمر، "أغلب أعضائها من السود".
ومن ناحية نظرية بحتة يراودنا السؤال – أكان بلال مؤذن الرسول أخضر اللون أم أحمره؟
وهل يجوز السؤال؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق