ماليس راثفن
"ظن الأتراك بأن الملك لهم والحكم في أيديهم. فخالفوا أحكام عز وجل وأنبيائه والذي أمرهم بأن يتبعوه، وحكموا بغير وحي الله وبدلوا في شريعة محمد رسول الله." "أن حكم قتل الأمريكان وحلفائهم مدنيين وعسكرين فرض عين على كُل مسلم أمكنه ذلك في كُل بلد تيسر فيه حتى يتحرر المسجد الأقصى والمسجد الحرام من قبضتهم وحتى تخرج جيوشهم عن كل أرض الإسلام مثلولة الحد كسيرة الجناح، عاجزة عن تهديد أي مسلم ... بل أن البعض يعتقدون بأن الوضع لعنة من الله لخضوعهم لإجراءات النظام القامعة المنافية للشرع – تجاهل أحكام الشريعة وتحريم الناس من حقوقهم الشرعية والسماح للامريكان باحتلال الحرمين."
الفتوى الأولى صادرة عام 1882 عن محمد أحمد المهدي وهو يرفع راية العصيان ضد المصريين التابعين بالاسم للسلطان العثمنلي، وضد البريطانيين الذي احتلوا بلادهم وقادوا جيوشهم. والعام هو نفسه الذي رأى مقتل هيكس باشا، وثمانية آلاف جندي بريطاني تحت قيادته في معركة شيكان. وقد أرسلت بريطانيا غوردون باشا بعد ثلاث سنوات لينتقم لهيكس فلقى حتفه هو الآخر على سلالم دار الحاكم في الخرطوم. وقد زانت نسخ من اللوحة التي تصور غوردون محاطا بحراب المهدية العديد من بيوت البريطانيين أبان حكم الملكة فيكتوريا، حتى أدت إلى تشرب أذهانهم بالرغبة في الانتقام له. لكنهم إضطروا إلى الانتظار ثلاثة عشر عاما قبل أن ينال كيتشنر من قوات الخليفة التعايشي وينهي حكم المهدية في السودان.
أما الفتوة الثانية فقد أصدرها أسامة بن لادن ضد اليهود والصليبين في فبراير 1998. وتختلف الظروف الجغرافية بطبيعة الحال هنا: فالمهدي كان معترضا على انتهاك المصريين لحرمة بلاده، وهم الذين أسماهم بالأتراك ورفض الاعتراف بأنهم مسلمون مثله. ففي ظل حكم الخديوي اسماعيل الذي كان يخضع إسميا للباب السامي في استنبول، حاولت مصر مد حكمها ليصل منطقة أعالي النيل. وبنيت المهدية - وهي حركة دينية سياسية استمدت فكرها من مواضيع الإيمان الآخروي وظهور المهدي المخلص التي تكمن في اليهودية والمسيحية والإسلام، والتي يمكننا رؤية أصداءها في البوذية والزرداشتية والهندوسية - حول مقاومة قبائل البقارة الرعاة العرب للغزو المصري. أما بن لادن وزمرته فقد إعترض على وجود القوات الأمريكية في المملكة السعودية وعلى الاحتلال الإسرائيلي للقدس. وبالرغم من هذه الاختلافات فالتشابه لا يفوت القارئ المدرك: الاجانب يحتلون أرض الاسلام، والحكام المسلمون بالإسم فقط يتعاونون مع الأجنبي ولا يحكمون بالدين المنزل.
سوف يتذكر التاريخ العمل الفظيع الذي وقع في 11 سبتمبر 2001 على أنه أسوأ عمل إرهابي وجريمة قتل جماعية في تاريخ الولايات المتحدة. وستبقى صور الأشخاص المتقافزين من نوافذ الأبراج المنهارة منقوشة في ذاكرة الجماهير كما بقت صورة غوردون باشا على سلالم قصره في الخرطوم. ولا يمكن حساب مدى هذه الجرائم بعدد الموتي الذي كاد في هذه الحالة أن يبلغ 3000 شخص، لأن الموت لا يكون أبدا قياسا للأهمية السياسية أو الثقافية للجريمة. وقد ضمن الانتشار العالمي لوسائل الاعلام بأن يكون لمشاهد 11 سبتمبر أكبر عدد من المشاهدين في التاريخ. وفي عالمنا هذا الذي تتحكم فيه وسائل الإعلام بعدساتها المنحرفة، فإن عدم العرض يساوي النسيان. لقد قامت السلطات السورية بذبح أكثر من 10 ألاف شخص بعد انتفاضة الإخوان المسلمين في حما عام 1982، ألا أن العالم كان ملتفتا للغزو الإسرائلي للبنان الذي راحت ضحيته أكثر من 17 ألف نفس مدنية.
وقد لا تكون بقية المقارنات بنفس الوضوح ألا أنها لا تقل عنها تنويرا: فكل من المهدي وبن لادن يدعون بأنهم مجددون في الإسلام ويلوحون بالخلافة الإسلامية خارج القنوات الرسمية للشرعية الدينية. فقد انفصل المهدي عن شيخه محمد الشريف نور الدائم، شيخ الطريقة السمانية ليؤسس جماعته الخاصة، ولم يثبت وضعه كمهدى منتظر إلا ذاتيا، من خلال رؤية للنبي في منامه، مما جعل معظم العلماء في زمانه يطعنون في مهديته. وبالمقابل، فقد شجب قادة الاسلام المعتدل والرسمي بشدة إدعاءات بن لادن لقيادة الأمة والجرائم الشنيعة التي ارتكبتها منظمة القاعدة، وذلك بالرغم من تمتعه بدعم كل من المللة عمر قائد الطالبان والشيخ مير حمزة، سكرتير جماعة علماء الاسلام الباكستانية، وفضل الرحمن أمير حركة الجهاد البنغلاديشية الذين وقعوا على الفتوى المذكورة أعلاه. ولم سقدر شجب غالبية السلطات الدينية والدولية على التقليل من شعبيته. وبما أن الحركات الاسلامية في كافة أنحاء العالم تتحدى شرعية الدولة فلا يكون لشجب المؤسسات الدينية المنتمية لهذه الدول نفس الوزن الذي للمثال المحمدي بصفته النموذج الأصلي للمصلح الديني السياسي الذي يشن حربا على قوى الكفر وعبادة الأصنام.
يقدم التاريخ الاسلامي أمثلة كثيرة على شخصيات شبيهة ببن لادن، كثيرا ما يتم وصفهم بالمجددين، والذين أسسوا دولا من خلال الجهاد ضد النظم القائمة التي اعتبروها خارجة عن السراط الإسلامي المستقيم. ففي عشرينات القرن الثامن عشر، أسس رعاة البقر الفلاتة الوافدين من مالي دولتي فوتاجالون وفوتاتورو بغرب أفريقيا بالجهاد. وأسس المجدد الفلاتي الكبير شيخ عثمان بن فودي (1754 - 1817) أمبرطورية فيما هو حاليا شمال نيجيريا من خلال مهاجمة حكام الهاوسا والانتصار عليهم. وقد تحجج بأن الهاوسا قد أقحموا مراسيم وثنية على الأسلام مما جعلهم من الكفار، وهو نفس المنطق الذي استخدم في تأسيس ممالك القوقاز الجهادية (1785 - 1839) ومملكة الكشغار الصينية (1820- 1877). كما أن تكفير الممارسات الصوفية وإعلان الجهاد عليها هو العامل المؤسس لما هي ال–ن المملكة السعودية. لقد كان للمهدى سابقات عديدة عندما أعلن بأن "الأتراك" لم يحكموا بما أمر الله
لم تكن الحركة المهدية سوى واحدة من بين العديد من حركات الجهاد ضد الحكم الأوربي أو شبه الأوربي خلال القرن التاسع عشر. وفي كل الأحوال تقريبا كانت لهذه الحركات قيادة ذات باطن ديني شكلتها السلطات الصوفية وقوتها الانتماءات القبلية. ففي زمن السلم يمارس الصوفيون الجهاد الأكبر (الجهاد الروحي) بدلا من الجهاد الأصغر (الحرب). ولكن حين يتعرض دار الاسلام للعدوان من قبل الكفار، أو من قبل من يمكن اعتبارهم كفارا، فإن المنظمات الصوفية تمد المحاربين بالأساس الأخلاقي والروحي للنشاط العسكري. فللحرب بعد روحي في أواصر التضامن التي تخلقها الحرب بالضرورة وسط المحاربين. وقد تكون هذه الأواصر عائلية في المجتمعات القبلية حيث تكون صلات الدم رابطا قويا إلى جانب الإيمان المشترك، وهو أمر يقره القادة المسلمون ويقدرونه خير تقدير. ففي الفترات ما قبل عصر الحداثة كان الحكام المسلمون يجندون لجيوشهم رجالا من أطراف ممالكهم : أتراك من آسيا الوسطى، نوبيين من أعالي النيل، وسلاف من البلقان، والبربر من جبال الأطلس. ولم تتمكن هذه الجيوش المرتزقة في نهاية الأمر من الصمود في وجه السلاح الأوربي المتقدم ولكن التضامن القبلي كان يمكن تجاوزه أو دمجه ضمن تضامن أوسع يخلقه قائد يسحر ألباب العسكر بغرس انضباط ديني مشترك في أرواحهم وهو ما أثبتته الحركة الإسلامية الأصلية.
وضع ابن خلدون أمثال هذه الحركات في مقدمته الشهيرة للتاريخ ضمن الإطار الأوسع لتاريخ العالم، مستمدا علمه مما كان يعرفه عن الطبيعة السياسية لموطنه في المغرب العربي. وقد جادل ابن خلدون بأن بدايات المجتمعات البشرية كانت قبائلا رعوية تقطن الجبال والصحارى والسهول، وتستمد سلطتها من عواصر القرابة والعصبية. لذلك فإن تأسيس السلالات الحاكمة كان متيسرا على أي حاكم يتمتع بعصبية قوية بسبب افتقاد سكان المدن لهذه الخصلة. فإذا كان حكم السلالة ثريا ومستقرا إزدهرت المدينة، ألا أن كل سلالة حاكمة كانت تحتوي بشكل متأصل على بذور انحطاطها، فيتدنى الحكم ليصبح استبداديا أو يفسد لكثرة ثرائه. وفي نهاية الأمر تتحول السلطة من أيادي السلالة الحاكمة إلى مجموعة هامشية جديدة. وقد مثل اين خلدون ذلك بتحول السلطان من اليونان إلى الفرس إلى العرب الذين أسسوا أمبرطورية إمتدت من الهند إلى اسبانيا، فجاء البربر غربا والأتراك شرقا ليأخذوا مكانهم.
كان الوجود العربي في غرب آسيا وشمال أفريقيا قصيرا إذا ما قورن بالممالك والشعوب الآخرى في التاريخ، فتلك الأراضي التي غزاها الأعراب (وهو مصطلح كان يعني لابن خلدون ومن عاصره البدو ويشير إلى القساوة والهمجية والتخلف) الوافدون من شبه الجزيرة العربية كانت أكبر مما يسمح بتوحيد إدارتها. وفي ظرف جيل واحد من المجتمع الذي أسسه النبي محمد في المدينة خالقا منه نواة تلك الأمبراطورية، مزقت الصراعات العصبية وحدته. وبعد مرور قرنين من وفاة النبي وقعت سلطة خليفة رسول الله في أيدي القادة العسكريين المحليين بل وحراس القصور، غالبيتهم من المماليك (أي العبيد المملوكين) من أتراك آسيا الوسطى.
حسب السيناريو الذي وضعه ابن خلدون، فإن حكم الجهاد كان من العوامل الأساسية لعملية التجديد الدورية هذه في المناطق الصحراوية القاحلة حيث تجول الرعاة البدو بحرية وخارج حكم الدولة في أحيان عديدة. وبعد توحيد النبي محمد للقبائل العربية المتناحرة بشبه الجزيرة العربية تحت راية الإسلام، سعى خلفائه العرب إلى فرض حكم الإسلام على العالم أجمع. وهذه التقاليد الإمبريالية كانت متأصلة في العالم القديم وليست حكرا على العرب وحدهم. فمنذ فتوحات إسكندر الأكبر بزغ اتجاه للتحرك من الحيز المحلي الضيق إلى الحيز العالمي الشامل. وقد ورثت الدول المسيحية (بيزنطة والإمبراطورية الرومانية المقدسة) هذه الطموحات وبعدها الإسلام أول ما توسع خارج شبه الجزيرة العربية.
يقول المرحوم البروفيسور ماجد خضوري إستاذ الدراسات شرق الأوسطية يجامعة جون هوبكينس سابقا في كتابه "الحرب والسلام في الشرع الإسلامي"، إن "الدولة الإسلامية التي من أهم وظائفها تطبيق شرع الله، سعت إلى جعل الإسلام الفكر الحاكم في كافة أنحاء العالم، رافضة الاعتراف بالتعايش من جماعات غير مسلمة أللهم إلا بصفتها كينونات خاضعة لها، لأن الدولة المطلقة بطبيعتها لا يمكن أن تعترف أو تتعايش مع وجود أية دولة غيرها. ومع أنها لم تكن سياسة متعمدة في حد ذاتها، ألا أن من خلف محمد من الحكام بعد سيطرة الإسلام على جزيرة العرب صمموا على ممارسة حرب فتوحات لا نهاية لها باسم الإسلام. وهكذا تم استعمال الجهاد أداة لنشر الدين وتأسيس دولة عالمية إمبريالية على حد سواء." (صفحة 51)
ولكن الدولة الإسلامية لم يكن من الممكن أن تستمر في توسعاتها إلى ما لا نهاية، فتوقف زحفها غربا في معركة بلاط الشهداء عام 732 وشرقا في وادي نهر الهندوس عام 736. ومن حينها والعالم منقسم إلى جزئين – دار الإسلام ودار الحرب – الأولى سكانها من ولدوا مسلمين أو قبلوا الإسلام وجاليات محمية من أهل الكتاب ( في البدء المسيحيون واليهود، ثم المجوس والبوذيون والهندوس عندما أدرك المسلمون بأن لهؤلاء نصوص دينية أيضا)، فضلوا التمسك بأديانهم مقابل دفع الجزية. تمتع المسلمون في دار الإسلام بكامل الحقوق المدنية بينما كان لأهل الكتب الحق في بعضها فقط ويحكمهم المسلمون وفق صكوك خاصة تنظم علاقاتهم مع المسلمين. أما دار الحرب فضمت كل الدول والمجتمعات خارج العالم الإسلامي، وكثيرا ما عرف سكانها بالكفار.
كانت تتسم العلاقات الرسمية بين دار الإسلام والعالم الخارجي بوجود حرب إسمية. ويقول البروفيسور خضوري في ذات كتابه: "لأن الإسلام إفترض لذاته هدفا عالميا، فقد استمرت دار الإسلام في حالة حرب نظرية مع دار الحرب. فقد فرض على المسلمين التبشير بالإسلام إقناعا وعلى الخليفة أو قادة جيوشه أن يخيروا أعدائهم بين قبول الإسلام أو دفع الجزية أو الحرب، ولكن الدولة الإسلامية كانت مجبرة شرعا بفرض حكم الله وعدم الاعتراف إلا بسلطانه عز وجل (أي سلطانها هي كدولة الله على الأرض) وأن تبطل العمل بأي سلطة غيرها حتى إن قبلت الجماعات غير المسلمة بالإسلام طوعا دون نزاع. كما أن رفض غير المسلمين للإسلام أو دفع الجيزة كان يجبر الدولة الإسلامية على إعلان الجهاد ضد المتمردين من الأفراد أو الجماعات. وهكذا عكس الجهاد علاقات الحرب الطبيعية بين المسلمين وغير المسلمين، وصار أداة الدولة لتحويل دار الحرب إلى دار الإسلام. أنه نتاج جماعات مولعة بالحرب باشرت في عملية توسع كبرى." (صفحة 53)
تكمن الأصول القرآنية للجهاد في حملات النبي محمد ضد أهل مكة قبل دخولهم في الإسلام. فقد كانوا مشركين يعبدون آلهة أخرى والشرك بالله معصية عظمي في الإسلام، حكم من يمارسها الهلاك. ويسمح لأهل الكتاب بممارسة دينهم ما داوموا على تسديد الجزية بدلا من الجهاد بالنفس في سبيل الله، لأن أديانهم في صورها الأصلية تعتبر متفقة مع تعاليم الإسلام عن التوحيد. فاليهود والنصارى ليسوا على خطأ لأنهم يعبدون آلهة غير الله بل لأنهم أفسدوا ما أنزل الله عليهم من تعاليم أصلا، وهذا ما يعلل الاختلافات بين مل أوحى به للمسلمين وبين ما سبقه من تعاليم كما يعكس الوسط الديني الغنوسطي في أواخر العصر القديم الذي نشأ فيه الإسلام، وهو رأي الدكتور الألماني المستشرق تيلمان نيجل المتخصص في الدراسات العربية والإسلامية بجامعة غوتينغن.
أن التسامح الإسلامي في صيغته الكلاسيكية كان استثنائيا في حينه، ألا أنه كان مشروطا بشروط عدة. فقد أعطى النصارى واليهود وأفراد الديانات النصوصية الأخرى حرية العبادة إن قبلوا بحكم الإسلام عليهم المتمثل في دفع الجزية. وإذا استعملنا مصطلح قديم بعض الشيء، فقد كانوا مواطنين من الدرجة الثانية فرضت عليهم فقدان بعض من أهليتهم القانونية. فللمسلم مثلا أن يتزوج من ذمية ولكن العكس لا يجوز، مما يرسل رسالة واضحة في مجتمع أبوي صرف – أهل الذمة أقل من المسلمين في المقام الاجتماعي. وقد تم تطوير بعض هذه الأمور إلى قوانين تخص الإنتقال (لا يسمح لغير المسلمين بركوب الخيل)، وبناء المنازل (لا يعلو منزل ذمي على منزل مسلم)، والإجراءات القانونية (لا توازى شهادة الذمية شهادة المسلم).
ولم ينال المشركون أي من هذه الحماية، فقد نص القرآن صراحة "فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ." (التوبة 5) وانتهى الأمر بالآية إلى تفسيرها على أنها نتسخ كل الآيات الأخرى المتعلقة بالحرب في القرآن. فبالرغم من أنها كانت موجهة أصلا إلى الأعداء في مكة الذين فاقت قوتهم وجبروتهم قوة جماعة المسلمين الأوائل المناضلين في سبيل البقاء، ألا أنها صارت عنوانا يمكن وضع أي شخص يصف بالكفر تحته وقتله.
إن الآلية الدينية التي تبرر التمرد القبلي الديني في إطار دار الإسلام (والذي قد يشمل قتل مسلمين أبرياء كجزء من الجهاد ضد الشرك بالله) تعرف بالتكفير – أي إعلان الخيانة الروحية. وقد تبنتها أول من تبنتها جماعات الخوارج، وهي أول مجموعة طائفية تظهر أثناء الصراع على السلطة في التاريخ الإسلامي خالقة الاختلاف الرئيسي بين السنة والشيعة. وقد إعتنق الخوارج الرأي المتزمت المتطرف بأن أي عاصي لا يتوب لا يعد ينتمي إلى الأمة المسلمة وهو بالتالي كافر. وما زال هناك خوارج في مجتمعات الأباضية بعمان وجزيرة زنجبار ومنطقة تاهرت في غرب الجزائر، وقد أعلنها غالبية السنة كفارا. وهكذا نجد أحاديثا نبوية تقول بما معناه أن تكفير المسلم للمسلم يجعل المكفر كافرا ما لم يثبت حقيقة إدعائه، وبأن الاتهام بالتكفير يعادل زهق النفس. وبغض النظر عن ضعف هذه الأحاديث أو صحتها فقد استند عليها شيخ الإسلام أبو حامد الغزالي (توفي 1111) قائلا أن اتهام من ولد مسلما بالكفر يحمل في طياته اتهاما بالارتداد عن الإسلام وهو جرم عقوبته الموت، وبالتالي يجب توخي الحذر عند التلفظ به.
أما في المجتمعات الشاملة للمسلمين وغير المسلمين فقد كان التكفير أسلوبا لوضع الحدود بين الجماعات الداخلة والخارجة وذلك بإطلاق تسمية الكفار على الخارج منها عن الإسلام على أساس أن ممارساتهم الدينية أو الاجتماعية لا تتفق وتعاليم الإسلام. وهكذا كفر قاضي في القرن الثاني عشر بمدينة سبتة من صادق اليهود وشجعهم على التمرد ضد الشرع، بالرغم من كون اليهود من أهل الكتاب تشملهم الحماية. وبالمثل، ندد ابن تيمية (توفي 1328) الحنبلي المذهب في كتابه "كتاب اقتضاء الصراط المستقيم" بالاستعارات اللاإسلامية من المسيحية. وإبن تيمية ينال إعجاب العديد من الإسلاميين الحاليين الذين يحاولون محاكاته ويمكن شراء كتابه هذا في المكتبات الإسلامية في كل من لندن ولاهور والقاهرة. وفي رأي هذا الفقيه الذي عاش حياته في سوريا ومصر، حيث نعيش أقليات مسيحية كبيرة، فأن بداية الحياة المسلمة الحقة هي النقطة التي يجب عندها الوصول إلى اختلاف تام وكامل عن غير المسلمين.
وعلى نفس النحو قام محمد بن عبد الوهاب، المصلح الإسلامي الذي تعتبر تعاليمه الأساس الأيديولوجي للملكة العربية السعودية، قام في القرن الثامن عشر بتصنيف المسلمين الذين مارسوا ما هي في رأيه ممارسات يرفضها الدين الإسلامي بالكفار. ولم تعد يكفي مجرد الانتماء إلى الإسلام، كتلاوة الشهادة مثلا، كافيا لحماية المثل من تهمة الشرك بالله. ولم ينطبق مصطلح الكفر على ممارسات الشرك الدينية ولا على أصحاب الديانات الموحدة الأخرى من غير المسلمين، بل على كل المسلمين الذين لم يتبعوا الوهابية. وبرر محمد بن عبد الوهاب هذا الحصر بالرجوع إلى النبي محمد نفسه (الذي حارب الموحدين اليهود في خيبر والموحدين النصارى الروم في تبوك). وكما يقول البروفيسور سوري الأصل والبريطاني الجنسية عزيز العظمة في كتابه "الاسلام والحداثة" (لندن 1996) :
"المبدأ المبجل في الإسلام السني، والذي ينص على أن الناطق بالشهادة مسلم، يتم رفضه لصالح زعم كثيرا ما تجده عند رجال الدين الوهابيين بأن التحفظ في تسمية غير الوهابين عامة بالمشركين والكفار هو في حد ذاته كفر." أما سليمان بن عبد الله، وهو سليل بارز لمؤسس المذهب الوهابي، فلم يمنع التحالف مع الكفار فحسب بل وأي نوع من التواصل معهم مهما كان. وكان حكم كل من استمر في شركه (بالمفهوم الوهابي) التكفير والقتل، بل وشجعت التعاليم الوهابية المحاربين السعوديين كي يكونوا عديمي الرحمة أثناء المعارك: فكل حملة كانت جهادا، بل ما يعنيه هذا المصطلح من ممارسات. يقول الرحالة السويسري جون بوركهاردت عن الجيوش السعودية الأولى "كل من يؤسر حاملا السلاح يقتل بلا رحمة. لقد أوحى هذا التقليد المتوحش للوهابين بتعصب شديد الضراوة يجعل منهم عدوا مروعا بغيضا."
أتاحت التعاليم الوهابية في شبه الجزيرة العربية وقودا أيدولوجيا لسلالة آل السعود لإخضاع القبائل الأقل ولعا بالحرب والتخلص منها سياسيا. فطريقتهم الوحيدة للنجاة من تهمة الكفر والشرك وما تبعها من قتل بين وجب عليهم الاندماج في النظام الذي يترأسه آل السعود. ولم يعني هذا فرض الضرائب عليهم (سلعا لا نقدا، على هيئة إبل) بل والإبعاد سياسيا كذلك. أن تمركز النظام الضريبي في ظل حكم آل السعود كان يعني ضمنا استئصال القبائل المخضعة سياسيا. "هذا الحق السياسي الجديد الذي لا يمارسه سوى المركز ولد من مفهوم الحماية عند القبائل العربية، حماية السلطة المركزية هي نفسها الحماية التي كانت تقدمها قبائل البدو مقابل دفع الضرائب،" يقول د. عزيز العظمة. وتساوى في ظل الهيمنة السعودية خضوع البدو وأهل الريف والحضر للنظام الجديد.
كانت الحرب في التاريخ العربي وسيلة لتماسك المجموعات القبلية ومحافظتها على هويتها، وتغنى شعراء القبائل حتما ببسالة المحاربين أثناء المعارك. وكان جليا بأن دولة آل سعود لن تتمكن من تفكيك النظام القبلي في نفس الوقت الذي تحافظ فيه على القبائل كوحدات دافعة للجزية. وكانت الهجرات – أو التوطين الذي شجعه آل السعود – حلا لهذا المأزق، أما الحل الثاني فقد كان يتمثل في التفوق العسكري التام.
وجد ابن سعود صعوبة جمة في التحكم في محاربيه المهووسين أثناء غزوه للحجاز. فقد اضطر إلى التدخل شخصيا لمنع الإخوان من ذبح بعثة مصرية رسمية جاءت حاملة كسوة الكعبة، فقد اعتبرهم الإخوان هم وكل حجاج بيت الله مشركين. وبالرغم من تدخل ابن سعود إلا أن الإخوان قتلوا 40 حاجا مصريا. وبعد استيلائه على الحجاز، أحرجه الإخوان مرة أخرى بشن الغارات على العراق الذي كان تحت حماية أصدقائه البريطانيين، فقرر ابن سعود تسريحهم تماما. وبعد فوزه على المتمردين عام 1929 في معركة السبيلة، دمج من كان مواليا له من القبائل المتمردة في الحرس الوطني. وقد حلل ابن سعود إخضاع القبائل غير السعودية بفرضه دفع الزكاة عليهم. ويقول د. عزيز العظمة بأن فرض الزكاة كانت طريقة من الطرق العديدة التي استخدم فيها الوهابيون الشرع الإسلامي لجعل المجتمع المحيط بهم متجانسا وواقعا تحت سيطرة بيت سعود، وذلك من خلال إلغاء العادات المتعارف عليها والامتيازات المحلية.
إن استخدام مصطلح ”الإقطاعية“ و“القروسطية“ التي كثيرا ما نجدها وصفا للملكية السعودية أمر يتسم بالضلال إلى حد ما، لما للوهابية من صفة القوة الهادفة إلى التمركز. أن الاستبدادية السعودية لها بعض صفات القرون الوسطى وهذا أمر لا شك فيه، ألا أنها من الناحية السياسية تشبه استبداد فرنسا في القرن الثامن عشر أكثر منها استبداد ممالك القرون الوسطي في انجلترا قبل أسرة تيودر مثلا، حيث سمح لمختلف القوى الدينية والسياسية بالإزدهار تحت الاحتكار الثنائي للكنيسة والدولة. وفي نهاية الأمر يبدو أي تشبيه بدولة أوربية غير ملائما لأن الدول الأوربية تخلت عن مفهوم القبلية منذ فترة طويلة جدا، وخصصت الأراضي أو صارت وقفا عاما تتدبره الدولة أو الحكومات المحلية.
ولأن الوهابية تتسم بصفات الخوارج الجدد فذلك يجعلهم عرضة أكثر من غيرهم للاتهام بالردة عن الصراط المستقيم حسب تفسير محمد ابن عبد الوهاب له. وبالرغم من محاولات السلالة الحاكمة المحافظة على المظهر الشمولي المسكوني من خلال اطلاق لقب "خادم الحرمين" على ملك السعودية، وجعل مكة والمدينة مفتوحتان أمام كافة المسلمين، ألا أن صيغة الإسلام التي تروج له السعودية من خلال منظمات مثل رابطة العالم الإسلامي تميل إلى الانجذاب نحو مواقف الخوارج الجدد. فطريقة المتصوفين البريلوية مثلا التي تتحكم في نصف المساجد البريطانية تشكي من أن رابطة العالم الإسلامي التي تدعي بأن دورها هو تشجيع التعاون بين المسلمين كل موظفيها من الوهابين بالرغم من أنهم لا يمثلون سوى اثنين بالمائة من إجمالي مسلمين العالم. ويستخدم السعوديون مقدراتهم المالية لتصدير الوهابية إلى العالم الغربي. يقول الكاتب الصوفي زيشان على المنتمي إلى الطريقة البريلوية:
"أن مسلمو بنغلاديش المقيمون في الولايات المتحدة، مثلهم مثل باقي المسلمين، يحافظون على التعاليم الإسلامية. ولكن لأنهم يفتقدون إلى الإرشاد فهم يتوخون الصمت عندما يقوم الوهابيون بمهاجمة معتقداتهم، بعدما يقنعوهم بأنهم – أي الوهابيون المقيمون في الولايات المتحدة – أكثر إسلاما من باقي المسلمين وأسمى. ويتمادى الوهابيون في حديثهم حتى أنهم يتهمون أولياء أمورهم بالشرك والكفر والمعصية. والأطفال المسلمون، أبناء المهاجرين الذين ترعرعوا في هذا البلد، يتعرضون لهذه الصيغة أحادية الجانب للاسلام، مما يخلق دون شك فجوة كبرى ويزداد الصمت يوما بعد يوم."
أما المتصوف الأمريكي هشام قباني، المولود في لبنان، فيقول بأن 80 بالمائة من المساجد في الولايات المتحدة تقع تحت سيطرة إمام وهابي يدعو إلى التطرف." ومع أن هذا الرقم قد يكون مبالغة بعض الشيء إلا أنه لم يعد من الممكن إنكار سيطرة الاتجاه الإسلامي المتطرف المدعوم بدولارات البترول على المسلمين السنة الملتزمين في الولايات المتحدة.
أن العالم مقسم حاليا ومنذ التدخلات الاستعمارية إلى وحدات إقليمية منفصلة عن بعضها البعض، مما يجعل من النموذج الخلدوني القديم للجهاد كجزء من عملية "التجديد الدوري" في الأراضي الواقعة تحت سيطرة الإسلام نموذجا يحتمل النقاش والجدل على أقل القليل. فامتداد القوى الأوربية داخل الوطن المسلم خلقت عملية تغيير ثنائية – فالحدود قد صارت ثابتة وكذلك السلالات الحاكمة. أما المملكة السعودية التي لم تقع مطلقا تحت سيطرة الحكم الاستعماري فقد قامت بخلق حدودها بنفسها بواسطة الغزو. ويتم اختيار وريث العرش بالاتفاق بين مبار الأمراء وكلهم من أبناء ابن السعود. وتلوح حاليا في الأفق أزمة سياسية ودستورية بدأت بتولي الملك الحالي عبد الله بن عبد العزيز مكان الملك السابق فهد بن عبد العزيز. أن تعيين ولي عهده له عواقب طويلة المدى إذ أنه قد يتسبب في نقلة من أبناء عبد العزيز إلى أحفاده.
وأما في باقي الدول فالاتفاقيات بين القوى الأوربية، وحظر الاتجار بالرقيق والقرصنة التي تلاها شراء حقوق ملكية الموارد الطبيعية والاحتكارات والامتيازات التي منحت لشركات النفط - كل هذه تطلبت وجود حدود دولية مرسومة ثابتة. وحتى تصبح هذه الإجراءات دائمة (كما حدث في مشيخات الخليج التي ارتبطت بمعاهدات مع بريطانيا) كان من الواجب تثبيت السلالات الحاكمة أيضا بصورة رسمية. كان هذا التثبيت ترتيبا جديدا جذريا في المنطقة الأفرو-أسيوية الجافة، حيث تعود الرعاة على التجوال فوق مساحات شاسعة في الفصول المختلفة بحثا عن المرعى. فالملكية والأراضي في مناطق الرعي ليس لهما نفس الامتداد بالضرورة كما هو الحال في أوربا، حيث الأمطار الغزيرة وتسييج الأرض أمر يفيد صاحبها تجاريا، إذ يمكن فرض الضرائب على الفلاحين والاستيلاء على فائض إنتاجهم عنوة إذا دعت الحاجة. أما الرعاة ففرض الضرائب عليهم أصعب بسبب المسافات الشاسعة التي يغطونها ومهاراتهم العالية في القتال.
قامت الدولة الاسلامية بعد سقوط الخلافة العربية على المجتمعات أكثر منها على الأرض، وكانت الشريعة في تطورها تميل نحو الاتجاه الاجتماعي أيضا، كما بين ذلك لاورنس روزن في كتابه "أنثروبولوجيا العدالة: القانون كحضارة في المجتمع المسلم" الصادر عن جامعة كمبريدج 1989. وقد درس روزن محاكم الشريعة في المغرب ليجد أن دورها الأولي كان حل المشكلات وليس فرض إرادة الدولة. تقل سلطة الدولة كلما زادت المسافة من المدينة، والجهاد في النموذج الخلدوني كان ينطبق على إقليم طالما تعرضت مدنه ووديانه الخصبة إلى هجوم القبائل المقيمة على هوامشها. ثم وصلت الحداثة إلى معظم العالم الإسلامي على أجنحة الاستعمار الأوربي، وقامت جيوشها على دعم الترتيبات الإقليمية الجديدة باستعمال أسلحة مستوردة.
أما في مناطق شرق الأردن والعراق وولاية جنوب الجزيرة العربية فقد عمل الدفاع الجوي الملكي على دعم تطبيق ترتيبات المعاهدات وحماية الحدود، وكان للأسلحة الحديثة الأثر في تقوية قبضة السلالات الحاكمة في دولها. وبينما كانت سلطة الحاكم في فترة ما قبل الحداثة مشروطة نظريا على الأقل بقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي الإذعان للشريعة والعمل بها، فإن قدرة النظم البيروقراطية المحسنة على فرض القانون، والسياسات المتطورة والمخابرات والجيوش المتنامية التي دأبت على التهام الناتج القومي الإجمالي، مكنت حكومات السلالات أو أشباهها من فرض نفسها على المجتمع المدني بصورة أكثر كفاءة منها في السابق. وقد أظهر إبطال الديمقراطيات أو الانحراف عنها في روسيا وايطاليا وإسبانيا وألمانيا ودول شرق أوربا الجزء الخاص بالمحاسبة والمسؤولية من صفقة الديمقراطية يمكن تعليقه دون أن يتأثر جانب التحديث منه سلبا، على الأقل على المدى القريب.
أما على المستوى الدولي فالشبكات التي حددت الدول المسلمة على الخريطة ثنائية الأبعاد معطية السيادة لكل من شاءت الظروف أن يكون متحكما في الحدود حينها، تمت تقويتها ودعمها من خلال نظم دولية بكل ما كانت تملك من محسوبية. ألا أن هذه الحدود المرسومة كثيرا ما تضاربت على أرض الواقع مع الولاء والدين والأحلاف. رأي أكراد ما بين النهرين أراضيهم تتقسمها تركيا وإيران والعراق، وطرد الفلسطينيون من جزء كبير من أراضيهم ليستوطن فيها أوربيون يجهزون لدولة يهودية، وأجبر شيعة العراق على محاربة ذويهم الإيرانيين ضمن جيوش يترأسها أعدائهم السنة، وتم اعتقال الرعاة الصوماليين الذين توغلوا في أراضي أوجادين كما عاهدوا منذ عقود من قبل الجيش الأثيوبي لعبور حدود رسمتها سلطات الاستعمار. أما خط ديوراند الفاصل بين الراج الهندي البريطاني والكوش الهندية فقد قسم قبائل الباثان بشكل لم يسبق له مثيل. وشعرت غالبية سكان هذه الدول الوطنية الجديدة التي خلفتها الإمبراطوريات الأوربية بأنها تعيش ظاهرة غريبة وجديدة عليها تم إقحامها على حضارات نظمت نفسها سياسيا بشكل مختلف عنها تماما.
أن التحدي المطروح من قبل شبكة منظمة القاعدة والمنتسبين إليها للوضع الدولي الراهن يشبه بعض الشيء وتيرة التمرد والتجديد التي يصفها ابن خلدون في نصه. فبالرغم من أن فرض إرادة الدولة على المجتمع المدني والمناطق الهامشية منه بالذات قد عزز بصورة كبيرة من قبل الجيش والجهاز البيروقراطي، بما في ذلك التواجد الكلي لأجهزة المخابرات وأساليب الشرطة القاسية، فإن ما يعرف في المغرب العربي "بالبلد السايبة" – أي المناطق الواقعة خارج السيطرة المباشرة للدولة المركزية – هذه "البلد السايبة" تبقى تحت السيطرة الصورية للدول الفاشلة والوشيكة على الإخفاق – السودان، الصومال وأفغانستان. ولكن في ظل العولمة هناك "منطقة سايبة" انتقالية تتكون من مسلمين عائدين إلى جذورهم الدينية من أبناء الجاليات المسلمة المقيمة في الغرب، ومن المسلمين المتطرفين الذين تأثروا بتعاليم الدعاة والمفكرين الدينيين ممن يتمتعون بجاذبية شديدة، خاصة سيد قطب (1906 – 1966)، مفكر الإخوان المسلمين الذي أعدمه جمال عبد الناصر والداعية الفلسطيني عبدالله عزام (1941 – 1989) الذي كان من معلمي ابن لادن الأوائل، والشيخ عمر عبد الرحمن الذي يقضي حاليا فترة سجن مؤبد لدوره في الهجوم على المركز التجاري الدولي عام 1993، والتآمر للهجوم على مبنى الأمم المتحدة ومعالم أخرى في الولايات المتحدة.
وعلى عكس نظائرهم في عهد ما قبل الحداثة فإن الإسلاميين الحاليين عصاميون في تعليمهم ولا يملكون تدريبا رسميا في علوم الدين، بل يتم تجنيدهم في غالبية الحالات من بين خريجي التقنيات والعلوم مثل الهندسة، والرياضيات والطب، حيث تتعايش خبراتهم العلمية مع أمية دينية مدقعة. تقول الباحثة فاليري هوفمان في مقالتها "التطرف الإسلامي: لمحات نفسية" الصادر ضمن مجموعة مقالات في كتاب "شرح التطرف" الصادر عام 1995 بأن الاستلاب السوسيوسايكولجي هو أساس جاذبية التطرف الإسلامي. "إن الإسلام الأصولي هو قبل كل شيء ثورة الشباب المعلق ما بين ماضي تقليدي وتعليم جامعي علماني بكل ما يحمل من تأثيرات غربية فكرية واتصال بحضارة مادية في بيئة حضرية حديثة." وهي تجادل بأن قضية الهوية أمر حاسم في الموضوع لكونها تعكس المخاوف المتضاربة في عالم ملئ بالخيارات المربكة." وهذا المأزق يصل إلى قمته في المناطق التي يكون فيها التأثير الفكري الغربي على أوجه - المدن، الجامعات وخاصة الكليات العلمية التي تعتنق العلوم الغربية بأكمل صورها.
سوزان والتز توافقها الرأي. في مقالتها الصادرة عام 1986 بدورية الشرق الأوسط (العدد 40، صفحة 631) بعنوان "جاذبية الإسلاميين في تونس" تقول "أن طلاب كليات الآداب والعلوم الإنسانية الذين يدرسون الفكر الغربي يتعرضون لعملية تطور هذه الأفكار ولنقاط الضعف في الثقافة الغربية، بينما يميل طلاب العلوم إلى رؤية الثقافة الغربية كصرح متناغم كليا ومتجانس." وبالتالي يكون هؤلاء الطلاب فكرة عن الغرب مفادها أن ثقافته مادية بحتة وتفتقد إلى القيم الروحية. وهم يعتبرون حياتهم منفصمة ما بين ثقافة إسلامية بما لها من قيم أخلاقية واجتماعية وروحية وبين ثقافة غربية تسمو بمعيشتهم نحو تحسن مادي. التطرف الإسلامي هو الواجهة الأخرى لمرآة الفكر الاستشراقي: منظور ثنائي يبقى فيه الغرب مقياسا يقيس عليه المسلمون حضارتهم. أن الإسلاميون المعاصرون الذين تتمركز قيادة منظمة القاعدة في أيديهم، ورأس حربتها، هم نتاج مأزق حديث متميز، وهو صراع ثقافي داخلي يحدث في نفس الشخص بدلا من الجماعات الحضارية في العالم الخارجي. وقد صهرت قيادات هذه الحركة في فرن يختلط فيه التدين الجاهل بالدين مع الغضب واليوطوبيا وانعدام الحس الأخلاقي الاجتماعي والخبرة العلمية الرفيعة. ألا أن قصبة هذه الحربة والتي تسببت في خراب الحادي عشر من سبتمبر في كل من نيويورك وواشنطن فقد صنعت من مادة أكثر تقليدية. فمن بين مختطفي الطائرات التسعة عشر بقيادة محمد عطا وهو معماري درس في ألمانيا كان هناك خمسة عشر مواطنا سعوديا من منطقة عسير الجبلية، وهي منطقة كانت في السابق سلطنة شبه مستقلة إلى أن غزاها فيصل بن عبد العزيز بن سعود (الملك فيصل) في عشرينات القرن الماضي وألحقها بالمملكة السعودية عام 1930. وقد اكتشف أحد الباحثين من جريدة صنداي تايمز بأن "عدد هائل من الأسر هنا تعود أصولها إلى قبائل يمينية انتصر عليها آل السعود." يتضح من كل مقابلات أسامة بن لادن وبياناته وفتواه بأن هدفه الاستراتيجي هو إزالة الجيوش الأمريكية من الجزيرة العربية بلاد الحرمين، إضافة إلى إزالة الجيش الإسرائيلي من الحرم الإبراهيمي في القدس. ويبدو أن الهجمات على نيويورك وواشنطن كان هدفها أحداث انسحاب للقوات الأمريكية الحامية لبيت آل سعود، شبيه للانسحاب من الصومال، وذلك بهدف تبديل النظام السعودي بنظام إسلامي إحيائي بقيادة بن لادن. وبالرغم من كون الأسلحة التي استخدمت في هجمات الحادي عشر من سبتمبر حديثة، وهي طائرات مليئة بالوقود، ألا أن البرنامج في حد ذاته قد يكون تقليديا ولا علاقة له بمعتقدات اليوم الآخر أو العدمية الفلسفية كما يعتقد الكثيرون. وبالرغم من حداثة عناصرها، فإن تكوين منظمة القاعدة وهدفها منسجمان بشكل عام والنمط التاريخي للثورة والتجديد الدوريين الذي لاحظه ابن خلدون قبل أكثر من ستة قرون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق