الخروج الثاني: لا يدرسونه لنا في بلاد العرب
اليهود العرب عالم تم محوه وصفحات أزيلت من كتب التاريخ
الجزء الأول – مقدمة في تاريخ مجهول لدينا
مر الشعب اليهودي في القرن العشرين بعدد من الاضطرابات هي الأكبر والأشد وقعا عليه منذ أربعة قرون مضت، حين دمر الرومان أورشليم القدس عام 70 ميلادية. ومع أن تدمير أورشليم كان له أثار مؤلمة على النفسية الدينية اليهودية ألا أنه لم يكون في أي من مراحله خطرا على بقاء الشعب اليهودي لأنه كان آنذاك قد انتشر على جانبي البحر الأبيض المتوسط . كما أن الرومان لم يقوموا بإنهاء الحياة اليهودية الوطنية في بلادهم بل على العكس فأن فقدان اليهود لسيادتهم الوطنية لم يقف أبدا عائقا أمام انجازات دينية جمة هي الأبهر منذ عهد الأنبياء في القرن الثاني قبل الميلاد – تكوين اليهودية التلمودية في القرون التالية لتحكم القبضة الرومانية على فلسطين.
مقارنة بذلك فإن محرقة القرن العشرين النازية قد قضت على معظم مجتمعات اليهود في أوربا وخاصة الشرق أوربية منها التي كان لها أغنى تراث حضاري وأطوله مدة والتي مثلت منذ عصر التنوير والتحرير مستودعا بشريا ضخما كثيرا ما اغتنت منه المجتمعات اليهودية الأقل حجما في غرب أوربا. ولذلك فإن الإضرار الذي تسببت فيه محرقة النازيين كان له أثر أبلغ على الشعب اليهودي من ذاك الذي يقاس بالملايين من ضحاياها.
أما الاضطراب الثاني الذي وقع على الشعب اليهودي في القرن الحالي هو اختفاء الملل اليهودية من أراضي المسلمين في الشرق الأوسط، وهي قد عاشت بها منذ ألاف السنين. وبالرغم من أن آثار هذا الطرد الذي جرى عند انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء على ألمانيا النازية كانت أقل بشاعة من المحرقة، ألا أنها لم تقل عنها فجاعة بالنسبة لليهود، إذ أنهي ثلاثة عشر قرنا من التعايش السلمي بين المسلمين واليهود وما نتج عنه من ثمار وروائع في كافة مجالات الفكر والثقافة. وقد كان الطرد نتيجة تكوين دولة إسرائيل ونيل عدد من الدول العربية لاستقلالها، وهجرة اليهود الإجبارية والطوعية إلى دار الإسلام وما تلاه ذلك من مشاعر عداوة بالغة بين المسلمين واليهود وكراهية الدول المسلمة لهذه الدويلة الجديدة بالغة الصغر التي ظهرت وسط البلدان العربية المسلمة، بعد مرور تسعة عشر قرنا على هزيمة الرومان لليهود وتدمير أورشليم.
وقد تجمع اليهود من كافة أنحاء العالم في إسرائيل، إخوة طالت غربتهم عن بعضهم البعض لدرجة بات من الصعب عليهم التعرف على غيرهم من أبناء جلدتهم لكثرة الاختلافات التي تسللت مع الشتات إلى كل جماعة منهم. كل ذلك الحشد تم في فترة زمنية لا تكاد تتعدى خمسة عشر عاما (من 1940 إلى 1965) مغيرة توزيع اليهود العالمي بشكل جذري: فقبل الحرب العالمية الثانية بلغ العدد الكلي لليهود في العالم ستة عشر مليون ونصف نسمة عاش 97 بالمائة منهم خارج الأراضي المقدسة – 57 بالمائة في أوربا، 33 بالمائة في أمريكا، و7 بالمائة في آسيا وأفريقيا، و 3 بالمائة فقط في فلسطين التي كانت آنذاك تحت الانتداب البريطاني. وبعد ست سنوات من النازية قل عدد اليهود في العالم إلى إحدى عشر مليونا ونصف، ثم ارتفع عام 1965 بثلاثة ملايين كان أكثر من نصفهم يقطن في أمريكا الشمالية والجنوبية، وبقى 29 بالمائة في أوربا (ثلثي هذا الرقم كان في الإتحاد السوفيتي) ، أما 29 بالمائة الباقية فقد استوطنت أفريقيا وآسيا. وكان نصيب إسرائيل من يهود العالم 16،6 بالمائة، أي مليوني وربع نسمة.
وخلال هذا الربع المحتوم من القرن العشرين انمحت من الوجود مئات من الجاليات اليهودية العتيقة، الغنية بتاريخها وتقاليدها وثقافتها، وزالت طرق حياة شعبية كانت يوما تنبض بالحياة. خلت شوارع وأزقة كانت منذ أمد قريب تعج بالحياة اليهودية والنشاط الفني والتجاري اليهودي وملامح الديانة اليهودية من كل علامات الحياة وآلت منازلها إلى الخراب، فاغرة أبوابها، أو سكنها شعب غير اليهود. وفي بعض الأحيان لم يبقى من المجتمعات اليهودية حتى هياكل أحيائها التي دمرت مساحات كبيرة منه أبان الحرب العالمية الثانية لتقم بعدها أحياء جديدة لها شوارع مختلفة ومباني حديثة لم تترك أثرا للعالم الذي كان يقطنه اليهود.
كما أن تجمع اليهود في إسرائيل، بغض النظر عن الآثار النفسية الإيجابية له على اليهود من حيث إعادة ثقتهم في قدرتهم على الاستمرار في الحياة أو توقفهم عن لعب دور المستضعفين قد أدت فيما أدت إلى تبديل السمات الثقافية القديمة والخصائص المكونة لشخصية اليهودي بخصائص جديدة ناتجة عن الانصهار الضخم في داخل دولة إسرائيل بين الأوربيين والشرقيين والأفارقة اليهود هو مجرد صورة باهتة رمادية عن تلك اللوحة الغنية بالألوان للفسيفساء الثقافية التي تولت مكانها. ولن يمضي وقت طويل حتى يفقد الجيل المولود في إسرائيل (أو في كندا أو الولايات المتحدة) أي علم عن طريقة معيشة أجدادهم في أوربا أو الشرق الأوسط . وبهذا لن يختفي عالم اليهود القديم فحسب، بل وسينسى أيضا ويضيع ضياعا كاملا.
هذه المقالة وما سيليها ستحاول استعادة بعض من ذلك التاريخ الذي لا يذكر في كتب تاريخنا العربي، أو حرف حتى يلائم حسابات سياسية ومصالح الفئة التي أتت على اليهود العرب أولا ثم قضت على تراثهم الغني في تاريخنا العربي حتى صار أبناؤنا لا يعرفون سوى يهود الكاريكاتير الأحدب ذو الأنف المعوج وقد سالت من يده دماء أو امتلأت كفتيه بالدولارات. وسوف نتناول معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في دراستنا هذه لننتقل بعد الانتهاء من التاريخ إلى الحاضر والفروق الاجتماعية والثقافية التي يعاني منها اليهود العرب (أو ما يعرف في إسرائيل بالمزراهيم) داخل دولتهم.
تقع مصر في الطرف الشرقي من شمال أفريقيا وهي الدولة التي تقول التوراة بأن أمة اليهود نشأت بها، بالإضافة إلى كونها موقع أول منفى لها وأول اضطهاد. وبعد سبعة قرون من الخروج، بعد تدمير الهيكل الأول في أورشليم عام 586 ق م، بدأ اليهود في العودة إلى مصر، بل ووصلوا مع حلول القرن الثالث ق م إلى قورينة التي هي اليوم جزء من الجماهيرية الليبية. وقد هرب عدد كبير من اللاجئين اليهود أثناء الحرب اليهودية الرومانية (66 – 70 ق م) إلى قورينة التي كانت آنذاك تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية، ثم تشعبوا منها غربا واستوطنوا مناطق عدة في الجزء الشمالي من القارة الأفريقية. ويعرف هؤلاء اليهود وأخوتهم ممن استوطنوا جنوب غرب آسيا باليهود الشرقيين. وبعد صعود نجم الإسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي استولى العرب على كل هذه المناطق وعاش اليهود الشرقيون منذ تلك الفترة وحتى مغادرتهم في القرن العشرين كأقلية دينية إثنية وسط أغلبية من المسلمين العرب أو البربر.
أما فيما يختص الانجازات والاحباطات الثقافية عند اليهود الشرقيين فقد تشاركوا فيها إلى حد كبير مع حكامهم وجيرانهم العرب، فعند ازدهار الحضارة العربية بين القرن الثامن والرابع عشر أطهرت الثقافة اليهودية إبداعات وحيوية وأصالة موازية لها وعاش أعظم فلاسفة اليهود وشعرائهم وعلمائهم وساستهم وعساكرهم أثناء تلك القرون السبعة في بيئة عربية بحتة. ومع حلول القرن الرابع عشر بدأ أول المنفيين الإسبان في الوصول إلى شمال أفريقيا بعد طرد الفرنجة المسيحيين للمسلمين واليهود عام 1391، وبدأت ملامح الانحطاط الثقافي تظهر على الجالية اليهودية في المنطقة مما سهل على الوافدين الجدد (والذين يعرفون عند اليهود بالسفراديم) إدعاء التفوق الحضاري علي المزراهيم وتأسيسه. ألا أن السفراديم أنفسهم سرعان ما طالتهم يد التساهل واللامبالاة التي تغطت على جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط أثناء فترة القرون الوسطى، مما أدى إلى ضمور الثقافة السفرادية الشرقية مقارنة بالحيوية التي كانت تتمتع بها جاليات اليهود الاشكناز (الأوربيون)، بل أن أول تأثير حديث عليهم وقع في ستينات القرن التاسع عشر عندما فتح اليهود الفرنسيون مدارسا حديثة لليهود الشرقيين في عدد من الدول المسلمة. ولم يعرف المزراهيم والسفراديم أي من النظريات والحركات الاجتماعية التي كان لها كبير الأثر في تكوين دولة إسرائيل مستقبلا – من التحرر والاستيعاب إلى الصهيونية والاشتراكية.
كل هذه بالطبع تعميمات لقصر المكان، لذا يجب أن تذكر بأن المنطقة كانت تشاهد اختلافات جمة بين اليهود في هذه الدولة أو تلك من دول شمال أفريقيا من حيث وضعهم المادي والثقافي، وبين القلة الثرية والغالبية الساحقة التي يسحقها الفقر والمرض والأمية. كما كانت ولا زالت هناك اختلافات في المعتقدات الدينية وممارساتها، وفي درجة التشبع بالثقافة واللغة الفرنسية (وإلى حد أقل الإيطالية والانجليزية). ويجب ألا ننسي أن موقف الغالبية المسلمة من الأقلية اليهودية كان هو أيضا عاملا يختلف من دولة إلى أخرى، وردود الفعل التي تلت تأسيس إسرائيل وحصول هذه الدول على سيادتها—أمران أدا بأكثر من 95 بالمائة من يهود شمال أفريقيا إلى الهجرة في بعض هذه الدول وإلى إخلاء معظم العائلات اليهودية إلى خارج بقية الدول المسلمة.
شابه تاريخ اليهود المقيمين في الجزء الآسيوي من الشرق الأوسط إلى حد كبير ما مر به يهود شمال أفريقيا من تجارب شكلت أقدارهم. فقد عاشت كلا الجاليتين في بيئة مسلمة في وضع الذميين – أي كجالية محمية تمتع بحقوق أقل من أسيادها المسلمين. وشمل الركود الثقافي ضمن ما شمل من بلدان جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا اليهود أيضا إلى حد ما، كما تأثرت الجاليتين بأخلاقيات العرب بينما بقوا على اعتقادهم بأنهم أفضل منهم تعليما وإيمانا وهو اعتقاد شد من أزرهم في مواجهة سوء المعاملة التي كانوا يواجهونها أحيانا بالرغم من كونه اعتقادا واهما. أما الإختلاف بين يهود المشرق ويهود المغرب الغربي فقد بدا إلى حد ما في مدى استيعاب تأثير جالية السفراديم على كلا المجموعتين. ففي شمال أفريقيا توزع السفراديم بشكل متساوي بين بلدان المغرب العربي، بدء من شواطئ المغرب ووصولا إلى مصر، باستثناء ليبيا التي كان معظم اليهود بها من أصل إيطالي، وذلك بالرغم من اختلاف الأزمنة التي وصلوا فيها إلى تلك البلدان. إلا أن لغة السفراديم الأصلية والتي تعرف باللادينو (وهي خليط من الإسبانية والعبرية، كما أن لغة الييديش هي خليط من الألمانية والعبرية) قد استبدلت بالعبرو-عربية مما أدى في نهاية الأمر إلى استيعاب الغالبية اليهودية الشرقية للسفراديم. أما في الشرق الأوسط فقد انحصر تأثير السفراديم في المدن الكبيرة الواقعة على ساحل تركيا، سوريا ولبنان، وفلسطين، حيث بقت حتى بدايات القرن العشرين كما هي دون أن تستوعب. وأما الجاليات اليهودية في الداخل، بما فيهم يهود كردستان والعراق واليمن وأفغانستان والهند فلم تمسها هجرة السفارديم ولم تتأثر بهم.
كما اختلف يهود المشرق عن يهود المغرب العربي في اللغة. فبنهاية القرن الثامن عشر كان كل اليهود المولودين في شمال أفريقيا يتحدثون بالعبرو-عربية بينما لم يتحدثها في الشرق العربي سوى يهود سوريا ولبنان والعراق واليمن وبلهجات مختلفة في كل من هذه البلاد. واستخدمت جاليات يهودية أخرى كبيرة اللغة الفارسية (في إيران وأفغانستان) والماراثية والملايامية في الهند، بينما كان يهود كردستان يتحدثون الآرامية (وهي ما يتحدث بها حاليا أشوريو وكلدانيو العراق) وسط أغلبية تتحدث الكردية (وهي من اللغات الإيرانية)، أما يهود الأستانة وإزمير فهم من أصل سفاردي وبقوا يتكلمون اللادينو. وكان لهذا الاختلاف اللغوي أكبر الأثر على الإختلاف الثقافي بين من تحدثوا العبرو-عربية (ويمكن اعتبارها لهجة من اللهجات العربية) وبين من تحدثوا باللغات الأخرى.
وكانت معرفة القراءة والكتابة دائما من أبرز السمات الحضارية لليهود، فبخلاف غالبية جيرانهم العرب الذين كانوا في الأغلب أميين حتى منتصف القرن العشرين فإن معظم الرجال اليهود كانوا قادرين على قراءة العبرية بينما كان عدد لا بأس به منهم يكتب بها أيضا. ولكن قلة نادرة من بينهم كانت على معرفة بالعربية أو الفارسية. أما النساء اليهوديات فقد كانت معرفتهم للقراءة والكتابة بأي لغة كانت أمرا نادر الحدوث، إذ أن حياتهن الدينية لم تشتمل على قراءة التوراة أو السيدور (كتاب الصلاة) فلم يكن من المتوقع منهن الالتحاق بالمدارس الدينية التي كانت تدرس للصبية.
منذ حلول القرون الوسطى وكل آداب اليهود بلغاتهم العامية التي كانوا يتحدثوها تكتب بالحروف العبرية - وتعتبر الكتابات باللغتين العبرو-عربية والعبرو-فارسية بذات القدر من الأهمية الأدبية التي للكتابات باللغتين اللادينو والييديش، مما جعل للأبجدية العبرية انتشارا حافظت عليه حتى عصر التنوير على الأقل، فحيثما وجد يهود الشتات وجدت الكتابة بالعبرية.
ومن سخريات الأقدار أن يكون من نتائج المحرقة النازية التي شارك فيها العديد من دول شرق أوربا طائعة، هو إعادة تقييم العلاقة بين المسلمين واليهود في القاطنين في بلادهم. فقبل الحرب العالمية الثانية كانت هذه العلاقة ينظر لها بمنظور مبادئ القرن العشرين للتنوير والتحرر وتساوي الحقوق ويحكم علي المجتمعات العربية، بما فيها من أحداث عنف واحتقار لليهود بصفتهم أقلية غير مسلمة، على أنها – أي تلك المجتمعات – قروسطية وبدائية وبربرية وتصرفاتها لا تغتفر. أما بعد المحرقة فقد تغير المنظور بمجمله، فبالمقارنة مع فعلته ألمانيا النازية باليهود – وهي كانت واحدة من أكثر دول أوربا تحضرا وثقافة – فإن معاملة المسلمين لملل الذميين وسطهم كانت في غاية التهذيب والرقة. وهو أمر لا يمكن إنكاره، لأن المسلمين سمحوا لليهود بأن يستمروا في العيش وسطهم ولو أنهم أحيانا كانوا يكيلون بهم وبالمسيحيين في لحظات غضب كانت تؤدي بحياة بعض اليهود. ويمكننا القول بأن بنفس التقدير كانت المذابح المنظمة من قبل الروس التي كانت تفيض على قرى اليهود فتمحوها من سكانها ومنازلها أمرا هينا لدى مقارنتها بعهد هتلر. فالرعب الأكبر والأقسى يجعل باقي الجرائم تضمحل أمامه.
ومع الأسف فإن كل هذه الجرائم ضد الإنسانية تدفع ثمنها مئات المجتمعات اليهودية التي اختفى أثرها من وجه المعمورة . لذا نريد في مقالاتنا التالية أن نسترجع بعضا من حياة من ذهبوا، ومن الأماكن التي قضوا فيها حياتهم، حيث عملوا ونالوا راحتهم، وحبوا وتشاجروا، وتعلموا، واحتفلوا وانتحبوا وضحكوا، من حيث شردوا وإلى حيث عادوا مرارا ليشردوا مرة أخرى؛ لترسم صورا لعهد مضى استطاع اليهود الحياة أثناءه بالرغم من محنهم ومآسيهم وتجاربهم، وأن يزدهروا ويخلقوا لنفسهم عوالم متعددة الألوان ثرية بثقافاتها وقيمها ودفء إنسانيتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق