الخميس، 31 يناير 2008

الجزء الثاني – المغرب (1)


تقول الأسطورة التي تتردد في ملاحات المغرب (والملاح هو الحي اليهودي الذي يحيطه سور وله بوابة محروسة ويقع عادة بالقرب من قصر الحاكم لحماية سكانه من شغب العامة)، تقول الروايات بأن اليهود ‏استوطنوا المغرب قبل تدمير الهيكل الأول في القدس، ولكن ليس للتاريخ ما يبين حقيقة هذا الإدعاء سوى بعض النقوش على القبور التي وجدت بمدينة فولوبيليس الرومانية غرب فاس، والتي تشير إلى ‏الوجود اليهودي بالمغرب أبان الإمبراطورية الرومانية. كان أول من كتب عن تأثير اليهود على السكان البربر الأصليين هو بروكوبيوس في القرن السادس الميلادي، أي في وقت سقوط قرطاج على يد ‏باليساريوس قائد جيوش الامبراطور جوستينيان. يقول بروكوبيوس المولود في قيصرية (إسرائيل حاليا) بأن البربر قالوا لهم أنهم جاءوا أصلا من فلسطين بعد مقتل الملك شاول لجلياط (وهو كما نعرف خلط ‏لما ذكرته التوراة). ويذكر ابن خلدون وهو المؤرخ العربي الكبير في القرن الرابع عشر بأن اليهود استطاعوا تهويد العديد من أفراد البطر وهو واحد من فرعي قبائل البربر الرئيسيين. وأدى اضطهاد اليهود ‏في أسبانيا على يد القوط الغربيين إلى نزوح العديد من اليهود إلى المغرب بين عامي 581 و693. وبنهاية القرن السابع، عند فتح المسلمين للمغرب، كانت هناك قبائل بربرية كثيرة تدين باليهودية، استطاعت ‏ملكة أحدها المعروفة باسم دهية الكاهنة في وقف التقدم العربي لعد سنوات. ألا أن يهودية دهية أمر به الكثير من الشكوك، خاصة أن ابن المالكي قال في تاريخه بأن جيوشها كانت يصاحبها تمثال خشبي ضخم، ‏يجوز أن يكون للسيدة العذراء أو السيد المسيح. ولكن المسلمون انتصروا عليها وبحلول القرن الثامن الميلادي صار اليهود أقلية صغيرة وسط المسلمين العرب والبربر. ويمكننا أن نفترض بأن القبائل ‏اليهودية التي استمرت في العيش بجبال الأطلس والواحات الصحراوية حتى القرن العشرين هي بقايا قبائل البربر اليهود الأصليين. وقد كانوا يتحدثون بلغة التمازيغت (لغة البربر) على أية حال ويشبهون ‏البربر في طريقة حياتهم ولا يختلفون عنهم إلا في الديانة. ‏

‏ انتهى اعتماد المغرب على الخلافة البغدادية عام 788 عندما استولى إدريس الأول على السلطة. وأبان حكم خليفته إدريس الثاني (791 إلى 828) سمح لليهود بالاستقرار في عاصمته الجديدة فاس، وهو ‏حدث كان بداية أحد ألمع العصور في تاريخ يهود المغرب وإستمر حتى حكم المرابطين (1051 إلى 1147). ومن أسماء مشاهير اليهود في ذلك العصر دوناش بن لابراط (ما بين 920 إلى 990) ويهوذا بن ‏داود الحيوج (ما بين 940 إلى 1010) وهما من كبار فقهاء اللغة العبرية، والحبر اسحق الفاسي (1013 إلى 1103) أول جامع ومنسق للقوانين اليهودية بعض عصر التلمود - وقد ولد ثلاثتهم وعاشوا في ‏فاس - بالإضافة إلى عدد من الأطباء وعلماء الدين من أصول إسبانية. وقد عاش بن ميمون (1135 - 1204) شخصيا في فاس لعدة سنوات بالرغم م– أنه كان إسباني الأصل، لأنها كانت على أيامه مركزا ‏للعلوم اليهودية. ‏

وفي ظل حكم الموحدين (1146 إلى 1267) تكرر اضطهاد اليهود، وتم إجبارهم على ارتداء شارة تعينهم. وغادر العديد من اليهود إلى إسبانيا أو الشرق. ومع حلول القرن الرابع عشر بدأ تأثير المغرب ‏العربي المسلم في الانحطاط وانحط معه قدر اليهود المغاربة روحيا وماديا. وفي عام 1438 تم تقييد إقامة يهود فاس إلى منطقة خاصة بهم تدعى "الملاح" – حي تحيطه الأسوار ويغلق بابها ليلا لمنع التجول ‏وحماية سكانه من الاعتداءات المتوالية، والذي بني على منجم ملح قديم - كانت هي الأولى بين "الملاحات" المغربية الأخرى. وبالرغم من ذلك انتهى المطاف بالعديد من اليهود الفارين والمنفيين من إسبانيا ‏في 1391 ومن البرتغال في 1492 في المغرب، فسكنوا المدن الساحلية منه. ألا أن ذلك لم يحميهم بدورهم من التقلبات المأساوية التي تمثلت في الأمراض والمجاعات والحرائق التي أتت على الجالية القديمة ‏والجديدة دون تفريق. ومنع بغض أعضاء الجالية المقيمة - والمعروفين باسم توفاشيم (المقيمين) - للوافدين الجدد الذين أطلق عليهم اسم نقوراشيم (المنفيين) أي نوع من الاختلاط بين الجانبين، واستمر ‏المقيمون في التحدث بالعربية بينما تحدث الوافدون الإسبانية بلهجة كاستيل. وقويت الجالية السفراديمية بوصول "المارانو" (وهو لفظ أطلقه المسيحيون على اليهود في اسبانيا وهو مشتق من "محرم" ويعني ‏‏"الخنزير")، المنتسبين سرا إلى اليهودية والذين عادوا إلى دينهم علانية عند وصولهم إلى المغرب. ‏

وعندما احتل البرتغاليون أجزاء من ساحل المغرب الأطلسي في القرن السادس عشر، صار اليهود السفراديم الذين استوطنوا هناك لعدة عقود وسطاء بين المحتلين وحكام المغرب العرب، وعملوا كوزراء لدى ‏العائلات المسلمة الحاكمة وكسفرائهم عند البرتغاليين والملوك المسيحيين الآخرين. ومع صيرورة الوافدين السفراديم نخبة يهودية في المغرب، بدأ التوشافيم (المقيمين) باستيعابهم في عدد من المدن الشمالية ‏مثل تطوان وطنجة، مما أدى بدوره إلى تطور اللهجة اليهودية العامية التي خلطت بين العبرية والاسبانية والعربية. أما وضع يهود الباطن –قد كان مختلفا تماما. فقد تكلموا العربية أو البربرية حسب الأغلبية ‏من سكان مناطقهم، وكان وضع اليهود في المناطق التي يغلب عليها البربر المسلمون أفضل حالا من تلك التي سيطرت عليها الحكومة، إذ أن البربر كانوا أكثر تسامحا مع الذميين ويمدونهم بالحماية، بل أن ‏العديد من الرجال اليهود كانوا يحملون السلاح – إشارة على كونهم أحرار – ولم يطالبوا بدفع الجزية. ‏

هز ظهور المسيا الكذاب شاباتاي زفي في تركيا يهود المغرب في القرن السابع عشر ولم تتمكن جهود كبار رجال الدين اليهود من الحد من حماس معظم اليهود المغاربة الديني. وحتى بعد أن تم إلقاء القبض ‏على زفي في الأستانة وقبوله الإسلام على يد السلطان محمد الرابع الذي من عليه بلقب "أفندي"، فإن التوقعات بظهور المسيا لم تقل بل غذتها تعاليم الكابالا (مذهب يهودي متصوف سري) الذي كرس معظم ‏علماء المغرب اليهود أنفسهم لدراستها. ‏

وفي أوائل القرن الثامن عشر بدأ المغرب تكوين معاهدات مع الغرب، ولعب اثنان من يهود المغرب السفراديم، هما اسحق بينتو واسحق كوردوزا نونيز، دورا رئيسيا في معاهدة عام 1787 بين المغرب ‏والولايات المتحدة التي قامت الأخيرة بمقتضاها بدفع مبالغ إلى المغرب مقابل حماية سفنها في البحر الأبيض المتوسط. وبينما قام السلطان مولاي محمد (1757 – 1790) بالعهد بكل علاقاته الدبلوماسية مع ‏المغرب إلى رجال السياسة اليهود في المغرب، علق ابنه مولاي يزيد العديد من أثرياء اليهود من أقدامهم حتى ماتوا لأنهم رفضوا مده بالمال قبل اعتلائه العرش، وشجع العامة على ذبح مئات اليهود حتى كاد ‏أن يفتك بالجالية تماما. ومع أن خليفته مولاي سليمان (1792-1822) لم يكن من محبي العنف، ألا أنه إضطهد ما تبقى من اليهود بلا رحمة، وأغلقهم داخل الملاحات في المدن الكبرى. كما تأثر اليهود أيضا، ‏أسوة بالمغاربة المسلمين، بالأوبئة التي أتت على حياة 65 ألف من سكان فاس لوحدها عام 1799، لتعود وتحصد الآلاف مرة أخرى عام 1818. ‏

جاء الاحتلال الفرنسي للمغرب في القرن التاسع عشر بمختلف التأثيرات على اليهود هناك، فمن جهة أعطاهم الفرنسيون حماية دبلوماسية لأنهم كانوا بحاجة إلى أعداد متزايدة منهم لتدبير الأمور، بينما قام ‏السكان العرب باعتبار اليهود مسؤولون عن تصرفات المحتلين المجحفة مما زاد من الاعتداءات عليهم. ولم يفلح تدخل السير موسى مونتيفيوري البريطاني لدى مولاي محمد إلا القليل من الفرج. وتعاقبت ‏الاعتداءات مع الأوبئة فمات 3000 يهودي في ملاحة فاس عام 1900 من الطاعون، بسبب اكتظاظ الحي بالسكان لدرجة كبيرة. ‏
وفجرت بداية الوصاية الفرنسية على المغرب عام 1912 مذبحة في فاس قتل بسببها 100 من اليهود. ولكن مع توطد السلطة الفرنسية صار اليهود أكثر آمنا، وبشكل عام اتسمت السنوات الأربعة والأربعين ‏من حكم الفرنسيين (1912 – 1956) بالهدوء النسبي بالنسبة لليهود، بالرغم من هجوم العامة على جاليتهم من حين إلى حين. وحصل الكثير من اليهود المقيمين بالمدن الساحلية على تعليم بالمدارس ‏الفرنسية التي تأسست في المغرب منذ 1860، مما أدى إلى تبنيهم لعادات الغرب وترك التقاليد اليهودية. وبالإضافة إلى المدارس الفرنسية والمدارس الدينية التي كانت طائفة الهاسيديم الشرق أوربية تديرها ‏في المغرب، كان العديد من الأطفال اليهود في القرى ومدن الباطن يحضرون الكتاب الذي كان مثله مثل الكتاب العربي يعلم الصبية اللغة والدين فقط. وبحلول عام 1939 (بداية الحرب العالمية الثانية) كان عدد ‏الطلاب اليهود بالمدارس الابتدائية والثانوية 56 ألفا. وقد رأي تطور التعليم وسط اليهود نشوب الطبقة الوسطي والمهنية وسطهم، من أطباء ومهندسين ومحامين، والتي وإن كانت صغيرة ألا أنها كانت تعادل ‏‏10 مرات نسبة السكان المغاربة المهنيين في ذلك الوقت. ‏
وبالرغم من ذلك بقت أغلبية اليهود المغاربة فقراء يعيشون على الكفاف كحرفين وعمال وخدم، صناع الأزرار وأشرطة الزينة والأحذية، خياطين وعطارين وبياعي خردة، صاغة وصناع صفيح، كتاب ومدرسي ‏توراة وجزارين وحلاقين وصناع شمع ومشاطو صوف ونجارين وما إليه. وكان سكان المغرب من المسلمين يحتقرونهم مما كان سببا رئيسيا في عدم اختلاط الجاليتين حتى بدايات القرن العشرين، ولم يشعر ‏اليهود بالأمان إلا خلف بوابات ملاحاتهم المغلقة من الغروب حتى الفجر. ولكن بالرغم من الفقر والاضطهاد وانعدام مرافق الحياة الأساسية والأمية المنتشرة بين الرجال والكاملة بين النساء، وضيق الأفق الذي ‏قل ما امتد خلف جدران الملاحة أو القرية – بالرغم من كل ذلك فقد كان ليهود المغرب حياة مليئة بالفلكلور الشعبي الثري المتنوع الذي كان يملأ أيامهم بهجة ومرحا، والذي لا بد أن نتحدث عنه هنا بعض ‏الشيء. فكان من عادات نسائهم سرد الحكايات الشعبية وتحفيظها للصغار، وأخذ اليهود المغاربة عن العرب كتابة القصائد وتلحينها، وعرفوا بآلاف الأمثال الشعبية التي احتوت على فلسفتهم في الحياة وحكمة ‏الأجيال العديدة. وكانت الحياكة والتطريز أيضا من فنونهم الشعبية، وخاصة بالنسبة للنساء التي كانت أزيائهن—على رأي أحد الرحالة الإيطاليين الذي زار المغرب في القرن التاسع عشر—“تجعل منهن ‏أميرات شرقيات لثراء الألوان والزركشات التي يزينون بها ملابسهن.“ ‏

واختلط الدين بالعادات الشعبية عند يهود المغرب لدرجة لم يعد الخط الفاصل بيتهما بينا، وهيمن على حياتهم اليومية. بل أن العادات الشعبية تغلبت أحيانا على العقيدة الدينية، فكثر الاعتقاد بالجن أسوة ‏بالمسلمين – مع الاختلاف البسيط في أن جن المسلمين كان أخضر وجن اليهود أسود اللون، وبأن الأول كان يهاجم الناس أيام الجمعة والثاني أيام السبت – وارتداء حجاب خاص وقاية منهم يدعى "الخمسة"، ‏مصنوع من الفضة على شكل كف كتبت عليه أيات من التوراة. كما كتن من الأحجبة التي يرتديها كل من المسلمين واليهود ما عرف بختم الملك سليمان، وهو عبارة عن نجمة خماسية الأركان الذي – حسب ‏الخرافات الشعبية – كان يعطي لحامله حماية من الجن وقدرة على التخاطب مع الحيوانات إذا صنع بالطريقة الصحيحة. وكانت زيارة قبور الأولياء من اليهود والمسلمين الذين كان أتباع كلا العقيدتين يؤمنون ‏ببركاتهم أمرا شائعا. كما امتدت البركة أيضا إلى الخاخامات الذين داوم اليهود على زيارتهم ومشاورتهم في كل كبيرة وصغيرة. ‏


ليست هناك تعليقات: