الجزء الثالث– المغرب (2)
عاش معظم يهود المغرب في المدن الصغيرة والقرى حتى استقلال البلاد، وفاق عدد الملاحات (الأحياء اليهودية) في محافظات مراكش وأغادير وتزنيت حيث كانت أغلبية القاطنين من البربر 170 ملاحة في عام 1951، معظمها في واحات بجبال الأطلس على حدود الصحراء وفي المدن الرئيسية الخمس. وكان بعض هذه الملاحات صغيرا لدرجة لا تستحق أن يطلق عليها اسم الحي – ففي حوم حوش في تازناخت كانت الملاحة مكونة في عام 1949 من أسرة واحدة عدد أفرادها 8 أشخاص. ألا أن معظم هذه الأحياء كان مكونا من 20 دارا وحوالي 50 إلى 100 يهودي. وقد اختفي ثلثي هذه الملاحات ما بين عام 1920 و1950 بسبب الهجرة إلى المدن الكبيرة، ومنها إلى المدن الرئيسية – فقد زاد تعداد اليهود في الدار البيضاء من 15 ألفا عام 1940 إلى 75 ألفا عام 1950، أي بمعدل 34 بالمائة.
وكانت الملاحة اليهودية في العادة مزدحمة بالسكان – ففي مراكش المدينة مثلا وجد الإحصاء السكاني لعام 1949 بأن عدد السكان لكل ألف متر مربع كان 35 في الحي الإفرنجي، و450 في المدينة القديمة و1300 في الملاحة، أي 1،3 شخص في كل متر مربع. كما أن نسبة اليهود النشيطين اقتصاديا بالنسبة لإجمالي السكان اليهود في مراكش كان 10 بالمائة فقط مما يدل على الفقر المدقع للأغلبية – فقد كانت الملاحات تعج بالنازحين من الأرياف الذين تحولوا إلى صيادي سمك وعمال أجرة وبياعي مياه (وهو عمل شارك فيه نساء اليهود رجالهن) أو عاطلين عن العمل ومتسولين. بل حتى بائعات الهوى لم تفرغ منهن الملاحات – بما في ذلك نساء مسلمات مارسن مهنتهن في الحي اليهودي لسلامتهن الشخصية.
كان معظم أطفال الملاحة مسجلون بالمدارس التي كانت تدار في غالبيتها من قبل اليهود الفرنسيين. ففي عام 1948 كان عدد الطلاب والطالبات البالغة أعمارهم من 6 إلى 12 عاما 1851 طفلا، بينما عمل 300 طفل بالأجرة وبقى 600 دون تعليم أو عمل.
كان لليهود في مراكش 49 نقابة على رأس كل منها أمين – نقابة لتجار الجملة، والفحم، والحديد الخردة، والبقول الجافة، وصوف الخيل، والأسماك والدواجن؛ نقابات لصناع الصواني والخيوط والشباشب وأطقم ركوب الخيل ومشاطو الصوف وحائكو الحشية والسمكرة والنجارين وصناع الساعات.. أما في وسط صاغة الفضة فقد كان لأصحاب المحلات ولموظفيهم نقابات خاصة بهم ينتمون إليها، أسوة بالترزية والخردجية. ولأن كل الخياطات كانوا تساء فقد كانت ترأس نقابتهم أمينة وليس أمين. وكانت هناك نقابات للحلاقين والخبازين والجزارين وبياعي السلع الأوربية والأشياء المستعملة، والحلوانية والعطارين والكهربائيين ومشحذي السكاكين، وعازفي الآلات الموسيقية وسائقو عربات الأجرة وحتى بائعوا الماء الذين كانوا يقضون يومهم في حمل الجرار المليئة بالماء على ظهورهم. وكان اختيار الأمين يتم على يد حاكم المدينة، حيث كان على كل نقابة تقديم اسم ثلاثة مرشحين يختار من بينهم. وكان على الأمين مراعاة مصالح أعضاء نقابته وتوزيع الضرائب والصدقات على الفقراء.
وبالإضافة إلى ما ذكر كان هناك عدد من المهن وسط يهود المغرب لم يكون أصحابها نقابات ولم يكن لهم أمين – فلم يكن لخاخامات رئيس مع كثرة عددهم (120 خاخاما بمعدل واحد لكل 150 يهودي)، الجزارين الشعائرين (شوخاتيم بالعبرية)، الحمالين، أصحاب العربات التي تجرها الحمير، سائقو السيارات، صانعو الخمور وطباخو الأفراح.
أما بالنسبة للنساء فلم يكن المجتمع اليهودي يحبذ عملهن خارج المنزل، لذا كان عدد النساء النشطات اقتصاديا صغيرا للغاية - حوالي 10 بالمائة من إجمالي اليهوديات - معظمهن من الأرامل والمطلقات. ولكن بعد 1940 ارتفع عدد النساء اللاتي أكملن دراستهن وعملن في وظيفة ما إلى حين زواجهن.
المكانة الاجتماعية وما يتعلق بها من رموز الاحترام والواجبات كانت حكرا على المتميزين ذهنيا أو الأغنياء، وقد تحدثنا عن المجموعة الأولى باختصار في العدد السابق باختصار، أما فيما يتعلق بالمجموعة الثانية فإن أثرياء اليهود القلائل في هذه الجالية كانوا من رؤسائها. وقد كان أثرياء اليهود إلى عام 1940 يخبئون ثرائهم، أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد أصبحوا يتفاخرون به علانية. وكانت دورهم الكبيرة تجمع بين ثلاث أجيال لكل منها اتجاهها الثقافي الخاص، بدء من التقليدية وانتهاء بالحداثة.
ومن الملاحظ انتفاء الطبقة الوسطي في الملاحات التقليدية، بل أن الغالبية الكبرى – أي حوالي 90% من يهود المغرب – كانوا من المعدمين. وقد أدى الفقر أيضا إلى انعدام الاهتمام بشؤون الجالية. فعند إجراء أول انتخابات حرة في مراكش عام 1951 للجالية اليهودية، لم يحق الانتخاب إلا لقلة منهم (448 من أصل 17 ألف) ولم يمارس حقه في ذلك سوى 153 يهودي. أما في الدار البيضاء فلم يتوجه للانتخاب سوى 145 يهوديا من أصل 75 ألفا. ومقابل ذلك، كانت الجالية اليهودية في مراكش عام 1950 تتصدق على ألفي معدم، أي 12 بالمائة من كل سكان الملاحة، بينما وصلت نسبة الحاصلين على الصدقة في مدينة تارودانت إلى 40 بالمائة من إجمالي اليهود.
كما أدى الفقر وارتفاع عدد السكان إلى أمراض وضعف عام وسط يهود المغرب - فقد كان متوسط طول قامة الرجال 163 سم ووزنهم 57 كجم، بينما متوسط قامة النساء 149 سم ومتوسط الوزن 52 كجم. وتفشت الأمراض وسطهم: الرمد، السل والإسقربوط، كما كانت نسبة الوفاة بينهم أعلى من باقي سكان المغرب. ولكن بالرغم من الفقر والمرض والاعتداءات والتفرقة ضدهم فقد استمدوا قوتهم من إيمانهم بمعتقداتهم وقديسيهم وتقاليدهم والاعتماد على رجال الدين والشعور بالأمن داخل الملاحات والمراسيم الدينية المتعددة. واستمر الحال إلى أ، برز جيل جديد، أكثر تحررا وتعليما، راغب في التحرر من نير التقاليد العتيقة. وذادت رغبت هذا الجيل في الخروج من الملاحات والانطلاق إلى العالم - مما أدى بالكثير منهم إلى الهجرة إلى إسرائيل أو فرنسا، فخلت الملاحات وماتت ببطء بعدها.
تعرض يهود المغرب إلى الاضطهاد على يد حكومة فيشي الفاشية الفرنسية أيام الحرب العالمية الثانية، ألا أن الملك محمد الخامس رفض الانصياع إلى أمر فيشي بتجميع اليهود المغاربة لترحيلهم إلى معسكرات الإبادة. ثم اندلعت أعمال العنف ضدهم عام 1948 في وجدة قتل فيها ثلاثة يهود ودمرت منازلهم ونهبت محلاتهم التجارية، ثم في جرادة حيث قتل 39 من أصل 100 يهودي وأصيب 30 آخرون بجراح خطيرة في ظرف نصف ساعة فقط. وكان ذلك بسبب النزاع العربي الإسرائيلي مما دفع بأعداد كبيرة منهم إلى الهجرة إلى أن أوقفتها الحكومة المغربية لدى نيلها الاستقلال عام 1956، وتعيد فتح باب الهجرة إلى إسرائيل مرة أخرى عام 1963. وهاجر ما يزيد عن مائة ألف يهودي إلى مختلف دول العالم، منها إسرائيل.
وبالرغم من المضايقات التي استمرت لسنوات ألا أن ألافا من يهود المغرب بقوا فيها وعاد إليها عدد ليس بقليل. وفي عام 1999 قام الملك الحسن رحمه الله بتمرير قوانين تسمح بدخول اليهود من أصل مغربي إلى البلاد حتى بوثائق سفر إسرائيلية وهيأ في المغرب واحدا من أفضل البيئات للحياة اليهودية، محافظا على تراثهم وديانتهم. ومع أنهم تركوا الملاحة إلا أن اختلاطهم وتزاوجهم بباقي المغاربة يكاد أن يكون معدوما تماما. والجالية تشيخ بسرعة لأن شبابها يفضل الدراسة بالخارج وفي معظم الأحيان لا يعودون إلى المغرب.
وقد بلغ عددهم في آخر الإحصائيات 20 ألف يتوزعون في المدن المغربية الرئيسية وبالذات في الدار البيضاء.
وللملك محمد السادس مستشار اقتصادي يهودي يدعى "أندريه أزولاي" كان في السابق مستشاراً لوالده الملك الحسن.. هذا بالإضافة إلى أن العديد من اليهود المغاربة العاملين في كل الوزارات والدوائر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق